موت مؤلم.. موت بطيء

السبت 2016/05/21

مشاهد مزعجة، أظهرها مقطع فيديو لإعلان تلفزيوني تبنته مجموعة من الناشطين في مجال حماية حقوق الحيوان، لرجل كان يعدو مقطوع الأنفاس عبر غابة من الأشجار الكثيفة قبل أن ينجح أحد الكمائن في اصطياده ليقع فريسة محتملة، ويقضي ما تبقى من لحظات حياته في محاولات يائسة لالتقاط أنفاسه من دون جدوى.

المشرفون على الإعلان – وهم ناشطون في جمعية للرفق بالحيوان – كانوا قد اختاروا لترويج أفكارهم الإنسانية البحتة، ممثلاً بارعاً ممشوق القوام رشيق الخطوات ذا ملامح حادة وعيون واسعة وعميقة، برعت في تجسيد مشاعر الفزع واليأس التي تتمكن من الضحية في الدقائق الأخيرة التي تسبق تسليم الروح.

الممثل البريطاني شون ماكي – الذي يجسد شخصية الذئب في النسخة الجديدة من فيلم “أليس في بلاد العجائب- أليس من خلال المرآة”- برع في تجسيد دور الضحية في هذا الإعلان ليقنع جميع أنواع المتفرجين حتى بليدي الإحساس منهم، بأن الموت البطيء ليس سهلاً فهو الأكثر إيلاماً على الإطلاق.

فوجئ العداء ماكي- وكان مازال يحث الخطى من خلال أشجار الغابة المتشابكة – بحبل التف حول رقبته كان يمثل نوعاً من الفخاخ التي تستخدم في العادة لاصطياد الحيوانات. جذبه الحبل إلى الأرض وكان يطبق على رقبته بصورة ملحّة بطريقة جعلت اليأس يتسرب إلى نفسه، فصار يكافح لالتقاط أنفاسه الأخيرة ويقاوم من دون جدوى، وكان الصوت الذي ظهر في خلفية الإعلان يردد بفزع “يغور السلك عميقاً في الجلد حتى يسحق القصبة الهوائية، محاولات صراخ تذهب هباء حيث يسد اللسان التجويف الداخلي للحنجرة.. إنه عالق ولا سبيل للهرب من موت مؤلم.. موت بطيء”.

ثم تأتي نهاية المقطع باقتراب الكاميرا لتصوير ملامح العداء المحتضر، حيث تزوغ نظراته ويتسع فمه طلباً لنسمات هواء إضافية ثم ارتعاشة ملامحه في اللحظة الأخيرة، قبل أن تتحول الشاشة إلى اللون الأسود حيث تظهر على واجهتها الرسالة الرقيقة التي تركها أعضاء الجمعية الخيرية للحفاظ على الحياة البرية “في بريطانيا، يقع حيوان في مثل هذا الفخ كل عشرين ثانية، انضم إلى حملتنا الخيرية للحد من ظاهرة الفخاخ، هذه التي قتلت ملايين الحيوانات البرية في الريف وستقتل المزيد منها إذا لم يتم حظرها قانونياً”. يعتقد أعضاء هذه الجمعية غريبو الأطوار بأن مواصلة انتهاك حياة الحيوانات البرية بهذه الطرق البربرية في القتل من شأنها أن تخل بتوازن البيئة الفطرية.

في الغالب يقتصر استخدام هذه الشراك على الإمساك أو قتل الجرذان، أو الفئران، أو السناجب الرمادية، أو القاقم الأوروبي، أو ابن عرس، أو الهوام الأرضية الصغيرة الأخرى.

وعلى الرغم من أن القوانين لا تسمح بعمليات الاصطياد هذه إلا في حدود ضيقة جداً، حيث يحدد الوقت والطريقة ونوع الحيوان الذي يسمح باصطياده، وتحت ظروف خاصة؛ مثل أن تشكل هذه الحيوانات ضرراً للماشية، أو المحاصيل، أو أي نوع آخر من الممتلكات، فإن بعض الآرانب البرية أو الغزلان وثعالب الماء وربما الحيوانات الأليفة، قد تمر صدفة وتقع فريسة للفخ.

لكن هذا الموت نفسه قد يرقص بجميع نغماته على أجساد شعوب بأكملها، في الطرف القصي من الكرة الأرضية، الطرف الذي لا تزوره ظلال الرحمة، فهناك موت بطيء وموت سريع وموت جماعي وموت للضمير وموت للروح، موت بجميع الألوان والنكهات، لكن أشدهم قسوة هو موت الغد؛ فلا غد يلوّح للناجين من أهوال هذه الميتات ولا جمعيات تنادي بحماية الإنسان العراقي أو السوري أو اليمني أو الفلسطيني من الانقراض، أما القوانين فتأتمر بأمر الساسة الحاكمين بأمر الموت.

كاتبة عراقية مقيمة بلندن
21