موت مختلف

الأربعاء 2017/03/08

تحكي رواية “موت مختلف” لمحمد برادة الصادرة مؤخرا، عن جيل ثورة 68 الطلابية في فرنسا، وتطلعاتهم إلى تخطي النوازع المحافظة لجمهورية شارل ديغول وحلمهم باستعادة روح ثورة 1789، بنفَس أكثر انطلاقا وتمردا.

كما تستعيد بحنو، لا يخلو من مرارة، تجربة صعود اليسار الاشتراكي مع فرنسوا ميتران التي مثلت في الآن ذاته قصة تحلل أوهام من التف حوله من جيل 68 حين انحاز لاختيارات ليبرالية تنكرت لوعوده الاشتراكية، لكن الرواية سرعان ما تسقط في تكرار الأحكام واستدعاء التاريخ المفتقد للعمق التخييلي، بل إننا أحيانا نحس وكأن الأمر يتخطى قدرة الرواية على التجميع والاستيعاب، حين ينساق السارد إلى تلخيص مقالات لتوماس بيكيتي وبرنارد ستيكليرو وجيل دولوز ورشارد رورتي وآخرين، تارة عبر تقنية الرسائل وتارة أخرى عبر تقنية اليوميات.

وشيئا فشيئا تلقى نفسك، عزيزي القارئ، فاقدا لبوصلة الطريق وقد هربت منك تلك البذور التخييلية الساحرة التي زرعت، في مستهل الرواية، بتربة خصبة وحافلة بمثيرات الخيال. تحديدا عندما شرع السارد في تصوير أجواء عودة البطل “منير” أحد أبناء انتفاضة 68 الطلابية، وأستاذ الفلسفة والمناضل في صفوف الحزب الاشتراكي الفرنسي بعد 50 سنة من هجرة إلى باريس، إلى مسقط رأسه “دبدو” في شمال المغرب التي أضحت قرية هامشية بعد ماض حافل بالحياة والتمدن والأمجاد التاريخية.

والشيء المؤكد أننا نعيش سفرا ذهنيا حافلا بالمتع الفكرية والحسية عبر فصول الرواية وفقراتها، كما نعيد التأمل في تراجع قيم التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية في مجتمع عاش أكبر ثورة في التاريخ، واستطاع أن يحصن حرية الفرد فيه وقنوات العمل الديمقراطي داخله.

كما سنعيد التفكير في مسارات ديغول وميتران وشيراك وساركوزي وهولاند الذي تتوقف الرواية عند لحظة انتصاره، لنعيد تمثل قدر الجمهورية الملهمة لنا في الانحدار السريع إلى أحضان اليمين المتطرف والنزعات العنصرية والتعصب المناهض لفكرة أوروبا، بيد أننا في المقابل لا نكاد نقف على حوارات ولا مشاهد حية، يخفت منسوب الدرامية والتوتر السردي في الرواية إلى حد أدنى، قبل أن نغوص في لعبة الكاتب الأثيرة في تشخيص الحميميات والتحققات الجنسية والليبيرتيناج.

وفي النهاية نجد أنفسنا أمام “راوي الرواة” ذاته الذي يطالعنا في الروايات السابقة لمحمد برادة وإزاء اللغة التشخيصية عينها، المتصلة بأفراد مؤرقين باستيهامات جسدية محمومة، وبانشداد مرزئ إلى الخراب المستشري من حلب إلى شوارع برلين وباريس ونيس، ثم لا شيء ينقذ الرواية من استبداد التحليل النقدي والتاريخي والفكري المشدود إلى أطروحات الكاتب سوى الفصل الأخير الذي رصعه حوار عميق بين منير (الأب) وبدر (الابن)، مثلما فوق خشبة مسرح يودعنا لأحاسيس قاتمة بموت مختلف.

كاتب من المغرب

15