موت وأصباغ مائية

الاثنين 2016/01/11

لم يذكره كتاب تاريخ الفن في العراق، كان هامشيا، رسم من أجل أن يرسم. ما معنى أن يرسم المرء من أجل أن يرسم؟ لقد تعلم عبدالأمير علوان الرسم خارج دراسته أكاديميا.

ما كان في حاجة إليه هو تعلمه من الطبيعة وفي الحياة، كان من المتوقع أن يكون خزافا انسجاما مع تقاليد عائلته الكربلائية، غير أنه فضل أن ينسجم مع مزاج الأصباغ المائية، فسار قدره به إلى المادة الأصعب في الرسم، فلن تضع الفرشاة إلاّ مرة واحدة على الورق، لأنه لا يمكنك أن تصحح خطأ ترتكبه.

درب علوان يديه على ما كانت عيناه قد تدربتا عليه، لقد سحر علوان، المولود عام 1955، المولعين بالرسم الخالص من البغداديين، بما لم يروه من قبل من مشاهد مدينتهم الذاهبة إلى خرابها.

كل شيء رسمه علوان سيكون له محل في الذاكرة العراقية، من غير أن يكون الرسام قد خطط لذلك، كان يرسم ليكون رساما، ليثبت لنفسه أنه صار رساما. يوم دعوت جبرا إبراهيم جبرا لزيارة مرسمه، لم يتمالك الرسام نفسه وصار يبكي، بكى لأنه رأى سيّد الحداثة الفنية أمامه، وفي مرسمه. قال لي في ما بعد “كدت أغيب عن الوعي”.

حين كتب لي عبدالأمير أنه انتقل لاجئا إلى الولايات المتحدة وكان حزينا. قلت لنفسي “لن تسعفه ذاكرته”، لم ير أحد شيئا من رسومه التي نفذها في غربته.

كانت لديه كيلومترات من العاطفة البصرية، هي أمله الوحيد في أن يرى العالم وقد صار أفضل مما كان عليه من قبل، كان يرسم ليتذكر، غير أن ذاكرته لن تسعفه وقد صار بعيدا.

لا يصلح الموت أن يكون موضوعا للأصباغ المائية، حين بلغني خبر موته تأكدت من أن الرسم لن يكون قارب نجاة في كل مكان، في المكان الغريب تعطلت يدا عبدالأمير عن الرسم فصار كائنا فائضا، لذلك قرّر أن يموت.

كاتب من العراق

16