موجات الحر كالوباء تحصد أرواح البشر

المدن الكبيرة الناشئة في الدول النامية أكثر المناطق عرضة للأضرار.
الخميس 2021/06/24
فجوة تبريد عالمية

تفيد الأبحاث والدراسات الخاصة بالمناخ أن الملايين من البشر سيتعرضون لموجات حر شديدة إذا ارتفعت درجة حرارة الكوكب بمقدار درجتين مئويتين، وسيستحيل حينها العمل خارج المنازل، وهو ما سيؤثر سلبا على إنتاج المواد الغذائية ويؤدي إلى انتشار الأمراض.

باريس - موجات من الحر الشديد ستجتاح مساحات مترامية من دولة نامية كبيرة، فتتسبب بوفاة الملايين من سكانها الذين لا يملكون وسائل الوقاية. واللجوء إلى الظل لا يجدي نفعا، والمساحات المائية أكثر سخونة من الدم الذي يجري في العروق.

هكذا تبدأ رواية خيال علمي صدرت حديثا، لكن الرعب الذي تصفه وتقشعر له الأبدان قد يكون أقرب إلى العلم منه إلى رواية أدبية، بالاستناد إلى مسودة تقرير للأمم المتحدة يحذر من نتائج وخيمة قد تصيب المئات من ملايين البشر في حال تواصل تسارع الاحتباس الحراري دون رادع.

وتحذر توقعات من موجات حر قاتلة في المدى القريب، وفق تقرير أعدته الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ لنشره قبل فبراير 2022.

وترسم مسودة التقرير صورة للاحتباس الحراري قاتمة وقاتلة أحيانا؛ ففي حال ارتفعت الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية، أي أكثر بـ0.4 درجة مما هي عليه الآن، سيتعرض 14 في المئة من سكان العالم لموجات من الحر الشديد بمعدل مرة واحدة على الأقل كل خمس سنوات. وفي حال زادت الحرارة عن ذلك بنصف درجة أخرى يضاف إلى هؤلاء الأشخاص 1.7  مليار شخص.

وستكون المدن الناشئة الكبيرة في الدول النامية، من كراتشي إلى كينشاسا مرورا بمانيلا ومومباي ولاغوس، أكثر المناطق عرضة للأضرار.

والحرارة المرتفعة ليست المعيار الوحيد، ذلك أن الحر سيصبح أكثر فتكا عندما يتزامن مع ظهور الرطوبة العالية.

بمعنى آخر الصمود في ظل الحرارة المرتفعة والأجواء الجافة أسهل من الصمود في الجو الرطب جدا حتى لو كانت الحرارة أدنى.

فهذا المزيج الأشبه بحمام بخار له مقياسه الخاص الذي يعرف بميزان الحرارة ذي اللمبة الرطبة.

أطفال اليوم سيشهدون خلال السنوات القادمة موجات من الحر الشديد مدتها أطول مما هو معتاد ويستحيل خلالها العمل

ويتفق العلماء على أن الإنسان البالغ السليم غير قادر على التكيف في حال تجاوزت حرارة اللمبة الرطبة 35 درجة مئوية، حتى لو كان جالسا في الظل ومع إمدادات من مياه الشرب غير محدودة.

ويقول كولن رايمند، الباحث الرئيسي في دراسة حديثة حول موجات الحر في الخليج، “عندما تكون درجات حرارة اللمبة الرطبة مرتفعة جدا فهذا يعني أن ثمة الكثير من الرطوبة في الهواء بحيث يصبح التعرق غير فعال للتخلص من حرارة الجسم الزائدة”.

وأوضح “في مرحلة ما، ربما بعد ست ساعات أو أكثر، سيؤدي هذا إلى فشل أعضاء الجسم والموت في حال عدم وجود تبريد اصطناعي”.

وأفادت الأبحاث بأنه في سنة 2019 توفي أكثر من 300 ألف شخص بقليل جراء الحر الشديد في العالم.

وستتجاوز “حرارة اللمبة الرطبة 35 درجة بانتظام” في بعض المناطق خلال العقود المقبلة في حال ارتفعت حرارة الأرض بمقدار 2.5 درجة مئوية مقارنة بمستواها قبل الثورة الصناعية.

وتسبب النشاط البشري في ارتفاع حرارة الأرض بمقدار 1.1 درجة. وينص اتفاق باريس للمناخ المبرم عام 2015 على حصر ارتفاع الحرارة بأقل من درجتين، وإن أمكن بـ1.5 درجة.

وحتى لو تم تحقيق أهداف اتفاق باريس فإنه من المحتمل أن يعاني مئات الملايين من سكان المدن في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب شرق آسيا من 30 يوما من موجات حر فتاكة على الأقل كل عام بحلول سنة 2080.

وقال ستيفن لوري، المؤلف الرئيسي لدراسة لا تزال قيد المراجعة العلمية واستعان التقرير بأرقامها، “في هذه المناطق يتزايد عدد سكان المدن بشكل كبير ويتنامى خطر الحر الفتاك”.

وأوضح لوري أن حساباته لا تأخذ في الاعتبار ما يسمى بتأثير “الجزر الحرارية الحضرية” الذي يضيف ما معدله درجة ونصف درجة مئوية خلال موجات الحر مقارنة بالمناطق المحيطة.

وتعد أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الأكثر عرضة لموجات الحر، لأنها الأقل استعدادا للتكيف معها.

وقال لوك هارينغتون الباحث في جامعة أكسفورد “المراقبة الحقيقية للعالم والنماذج المناخية تظهر أن أفريقيا جنوب الصحراء نقطة ساخنة لنشاط موجات الحر”.

أما في وسط الصين وآسيا الوسطى فـ”يتوقع أن تقترب درجات حرارة اللمبة الرطبة القصوى من العتبات القصوى وربما تتخطى العتبات الفيزيولوجية للتكيف البشري”.

ولن تكون منطقة البحر المتوسط بمنأى عن توغلات موجات الحر القاتلة. وفي أوروبا سيكون 200 مليون شخص معرضين لخطر كبير جراء الإرهاق الناتج عن الحرارة في منتصف هذا القرن في حال زادت حرارة الأرض بما يصل إلى درجتين مئويتين حتى عام 2100.

وقال الباحث جيف ستاناواي “هناك حساسية أعلى للحرارة في أوروبا الغربية مقارنة بأميركا الشمالية”. وهذا يعود إلى أنه “في أميركا الشمالية الجميع يمتلك مكيفات هواء وأبنية حديثة معزولة بشكل جيد”.

وعلى غرار الكثير من تأثيرات التغير المناخي ثمة تفاوت في تحمل عواقب موجات الحر، ففي البلدان النامية لا يتماشى مستوى التنمية الاقتصادية مع كلفة تبريد الأجواء، ما يؤدي إلى سباق بين الاحتباس الحراري والقدرة على التكيف معه.

ووصف أحد الباحثين الأمر بأنه “فجوة تبريد عالمية”. وتوصلت دراسة حول تقنيات التكيف في هانوي إلى أن الكثير من الأشخاص لا يستخدمون أجهزة التكييف في غرف النوم بسبب كلفتها الباهظة، وبعضهم يلفون أنفسهم بأغطية مبللة قبل الخلود إلى النوم خلال موجات الحر.

وسوف تنشر درجات الحرارة المرتفعة الأمراض وتخفض المحاصيل الغذائية وتحد من إنتاجية العمال.

لكن في حال أراد العالم تجنب أسوأ العواقب على الدول أن تحترم التزاماتها في اتفاق باريس وتحصر ارتفاع الحرارة بدرجة ونصف درجة، بحسب خبراء.

لكن حتى لو تحقق ذلك تبقى هناك عواقب وخيمة لا يمكن تجنبها، خصوصا وأن الحرارة ترتفع أكثر بمرتين من المعدل العالمي في الكثير من المناطق.

وحذّر تقرير الأمم المتحدة من “أطفال اليوم سيشهدون موجات من الحر الشديد مدتها أطول مما هو معتاد ويستحيل خلالها العمل في الخارج”.

20