موجة استقالات تقسم حراك "تونس الإرادة"

لم تكن الصورة الوردية التي عمل حزب حراك تونس الإرادة على تسويقها خلال أشغال مؤتمره التأسيسي، والذي انعقد بداية الشهر الحالي، كافية لتحجب ملامح تصدعات متصاعدة صلب الحركة، التي يتزعمها الرئيس التونسي السابق المصنف المرزوقي ما يطرح تساؤلات جدية حول دلالات هذه التطورات الداخلية.
الأربعاء 2017/05/17
نزعة إلى الزعامة تعيد إنتاج الإخفقات السياسية

تونس - لم تكد تمضي ساعات على الندوة الصحافية التي عقدها حراك تونس الإرادة لتقديم نتائج مؤتمره الأول، حتى أخذت التسريبات والمعلومات في التداول على نطاق واسع، عن سلسلة من الاستقالات صلب الحزب، والتي شملت عددا من الأسماء البارزة، ما يثير تساؤلات واسعة عن خلفيات هذه الموجة من الانسحابات وانعكاساتها على أداء الحراك وتماسكه الداخلي.

وتشمل قائمة المستقيلين عضو المكتب التنفيذي سامي صدقي، والذي يعتبر إحدى الركائز الأساسية للحزب وأحد أهم الفاعلين به منذ تأسيسه، من خلال الدور المؤثر الذي اضطلع به على مستوى تركيز الهياكل المحلية بمختلف المناطق والمحافظات، إلى جانب تأطير العناصر الحزبية.

وتأتي استقالة صدقي لتنضاف إلى قرار عدد آخر من الأعضاء بالانسحاب، يتقدمهم كل من غازي المسدي الذي كان رئيس المؤتمر الأخير، وإيمان الجزيري

وعبدالواحد اليحياوي، فضلا عن الأمين البوعزيزي الذي يحظى بشعبية كبيرة بين أنصار الحراك، وينظر إليه على نطاق واسع باعتباره المنظر الأيديولوجي للحركة، فضلا عن قربه من رئيس الحزب المنصف المرزوقي.

وكان الأمين البوعزيزي قد نشر بيانا على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي، معلنا إنهاء تجربته مع الحراك ومحاولا على ما يبدو القفز فوق الأسباب الحقيقية للخلافات المتصاعدة داخل الحزب، عبر تغليف قرار استقالته ضمن سياق أيديولوجي وفكري، وإعلان نيته التفرغ لدوره كمثقف بعد استكمال مهمته في تأسيس الحزب وتركيز ثوابته.

في المقابل تسيطر حالة من التحفظ والتكتم بشأن التعاطي مع هذه الاستقالات من جانب قيادة الحزب، والتي نفت في تصريح لـ”العرب” على لسان ناطقته الرسمية لمياء الخميري علمها بالموضوع، فضلا عن عدم تلقي أي إشعار رسمي بالاستقالة من جانب أي منتسب آو قيادي بالحركة. موجة الاستقالات المتتابعة كشفت عن حالة التصدع الكبير التي يعيشها حراك تونس الإرادة على المستوى الداخلي، والتي لم تنحصر حدودها ضمن الهياكل الكبرى بالحزب مثل المكتب التنفيذي أو الهيئة السياسية، بل شملت القواعد المحلية والتي أعلن بعضها عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن استقالات جماعية داخل مكاتبه المحلية، على غرار مكتب منطقة غار الدماء بمحافظة جندوبة.

قواعد الحزب تربط الاستقالات بالتعيينات غير المدروسة على رأس الحركة والتي لم تراع أن الحراك ليس حزب المؤتمر

وتؤكد مصادر مطلعة أن حالة التململ الداخلي التي يشهدها الحراك، تأتي نتيجة إصرار رئيس الحزب المنصف المرزوقي على تعيين كل من عدنان منصر وعماد الدايمي ضمن الهيئة السياسية التي تم تشكيلها خلال المؤتمر الأخير.

وعمل المرزوقي على تمرير بند ضمن النظام الداخلي يسمح له بتعيين نسبة من أعضاء الهيئة السياسية بشكل مباشر تحت مسمى النسبة التعديلية، وهو ما

مكنه من فرض كل من الدايمي ومنصر، القياديين السابقين بحزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

وتشير المصادر إلى أن هذا التعيين قوبل بتحفظات واسعة ورفض من جانب قواعد الحزب وأعضاء الهيئة السياسية والمكتب التنفيذي، نتيجة إصرار المرزوقي على فرض الدايمي ومنصر ضمن الدائرة القيادية العليا للحركة، وهو ما رأى فيه البعض عملية سيطرة وهيمنة من عناصر مفروضة من خارج الحزب على حساب شرعية المؤتمر.

ويواجه عماد الدايمي الأمين العام الأسبق لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، بانتقادات واسعة من جانب قواعد الحراك وذلك على خلفية قربه الشديد من حركة النهضة، والتي بلغت حد وصفه في السابق بكونه من القيادات المحسوبة على “الشق الإخواني” داخل حزب المؤتمر، فضلا عن قرار التحاقه بالحراك والذي ينظر إليه كمحاولة انتهازية في الوقت الضائع للقفز من حزب المؤتمر، بعد فقد رصيده الشعبي والسياسي إثر تجربة الترويكا وانتخابات 2014.

معز الباي: المرزوقي يستعيد أسباب الفشل السابقة ويؤكد عدم نضجه السياسي

وعلى الرغم من محاولات التواصل معه واستفساره عن خلفيات قراره، وارتباطها بالجدل المتعلق بتعيين الدايمي ومنصر، إلا أن عضو المكتب التنفيذي المستقيل سامي صدقي خير البقاء وراء أسوار الصمت، مكتفيا بإعلان انسحابه على صفحته الشخصية بموقع فايسبوك من أي دور أو مهام ضمن حراك تونس الإرادة لأسباب وصفها “بالشخصية”.

لكن العشرات من التفاعلات والتعاليق المصاحبة لتدوينة صدقي كشفت لا محالة عن حالة واسعة من الاحتقان بين عناصر الحزب الذين وجهوا انتقادات لخيارات المرزوقي وانفراده بالرأي في فرض عناصر دخيلة على الحركة “لحسابات شخصية”.

وحملت قواعد الحراك في تعاليقها مسؤولية الاستقالات “للتعيينات غير المدروسة على رأس الحزب التي لم تراع أن الحراك ليس المؤتمر وأن لكل مرحلة خصوصياتها”، فيما وصفت مواقف أخرى الأسماء المعينة “بالمندسين الباحثين عن التموقع على حساب أبناء الحزب الشرعيين”، ما يستوجب التخلص منها حتى لا تتسبب في تسميم الأجواء.

واعتبر الكاتب الصحافي والمحلل السياسي معز الباي في تصريح لـ”العرب” حول التفاعلات التي يشهدها حراك تونس الإرادة أن تعيين كل من عماد الدايمي وعدنان منصر يمثل استعادة لأسباب الفشل التي كانت من بين الأسباب الرئيسية في تفجر حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

وأضاف الباي أن هذه القرارات تكشف “أن المرزوقي لم ينضج بعد سياسيا ولم يتعلم من أخطائه ولا يزال مصرا على أن يظل مشعلا محترفا للحرائق”.

وبين الباي أن الانتقادات الموجهة نحو عدنان منصر عديدة، وتشمل بالخصوص دوره السلبي في إبقاء المرزوقي خلال مرحلة الرئاسة ضمن دائرة مضيقة، والحد من تواصله مع أنصاره وقواعده، فضلا عن مسؤوليته في اتخاذ الكثير من القرارات السياسية الخاطئة، إلى جانب اتهامه بالانتهازية السياسية وافتقاده لأي تاريخ نضالي قبل الثورة يؤهله لشغل منصب المستشار الرسمي للمرزوقي، وتبوء مناصب قيادية بالحزب.

ورجح الباي أن تكلف هذه الاستقالات وربما استقالات أخرى قد تتبعها في الأيام القادمة الحراك ثمنا غاليا خلال الانتخابات المحلية القادمة باعتبار الأهمية

التي يضطلع بها القياديون والأعضاء المستقيلون على مستوى المناطق الداخلية في استقطاب الأنصار والناخبين ما قد يؤدي إلى خسارة جديدة للمرزوقي الذي يراهن على الانتخابات المحلية للعودة إلى الساحة السياسية.

4