موجة استهداف طائفي للأكاديميين تستكمل التصحر العلمي في العراق

إثارة أسامة النجيفي قضية الاستهداف الطائفي للجامعيين العراقيين، وإن انطوت على شبهة توظيف سياسي، لكنّها تسلّط الضوء على معضلة حقيقية واجهها العراق بقوة خلال الثلاث السنوات الأولى من حكم الأحزاب الدينية، وتجدّدت مع ارتفاع وتيرة الشحن الطائفي في البلد ومن حوله.
الجمعة 2016/02/05
منارات انطفأت

بغداد - سلّط بيان صدر الخميس، عن مكتب أسامة النجيفي رئيس ائتلاف “متحدون للإصلاح” في العراق، الضوء مجدّدا على قضية استهداف الأكاديميين والجامعيين العراقيين لأسباب طائفية، والمتواصلة منذ تسلّم الأحزاب الشيعية حكم البلاد في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي.

وهدّد النجيفي إثر لقاء جمعه بنخبة من الأكاديميين وأساتذة الجامعات باللجوء إلى القضاء لوقف “عمليات الاستهداف الطائفي للكفاءات العراقية”، معتبرا أن الظاهرة “تشكّل خطرا على الهوية الوطنية”.

غير أنّ بيان النجيفي لم يسلم من نقد انصبّ على أنّ إثارته للموضوع هي على سبيل التوظيف السياسي للقضية بالغة التعقيد التي يتجاوز حلّها قدرات الرجل الذي لم يستطع هو ذاته مواجهة عملية إقصائه من المشاركة في الحكم.

وشكا الأساتذة الذين حضروا اللقاء من تصاعد الاستهداف الطائفي للجامعيين والكفاءات العلمية بما يخلّف أسوأ الآثار على مسيرة التعليم والبحث العلمي في العراق.

ويتحدّث جامعيون عراقيون عمّا يسمونه “موجة ثانية” من استهداف أساتذة الجامعة والباحثين السنّة، بسبب اشتداد الشحن الطائفي الذي أذكته الصراعات في المنطقة والحرب ضدّ تنظيم داعش في البلاد، وتعمّد بعض الأطراف والجهات السياسية الشيعية نسبة التنظيم المتشدّد إلى الطائفة السنية.

ويقول هؤلاء إنّ عدم الشعور بالأمان والخوف من عمليات القتل والاختطاف عاد ليسود صفوف الجامعيين العراقيين ويدفع بالكثير منهم إلى التفكير في الهجرة والالتحاق بآلاف آخرين انضموا إلى جامعات عربية وغربية فرارا من الوضع الصعب الذي أعقب سنة 2003.

وحتى تلك السنة كان العراق في طليعة الدول العربية من حيث جودة التعليم العالي وعـدد الكفـاءات والعقـول في مختلف المجالات.

وخلال السنوات الثلاث الأولى من حكم الأحزاب الدينية الشيعية قتل ما لا يقل عن 180 من العلماء والأكاديميين العراقيين، فيما اختار ما يقارب الـ3000 الهجرة مع أسرهم طلبا للنجاة.

أصابع الاتهام في استهداف الأكاديميين تتجه صوب الميليشيات وأغلب التحقيقات تقفل دون التوصل إلى الجناة

وأظهرت إحصائيات متعلّقة بتلك الفترة أن أكثر من نصف القتلى في صفوف الأكاديميين والجامعيين يحملون درجة أستاذ وأستاذ مساعد، وأكثر من نصف الاغتيالات وقعت في جامعة بغداد، تلتها البصرة، ثم الموصل، والجامعة المستنصرية، وأن 62 بالمئة من العلماء المغتالين يحملون شهادات الدكتوراه، وثلثهم مختص بالعلوم والطب، و17 بالمئة منهم أطباء ممارسون للمهنة.

واضطرت وزارة التعليم العالي آنذاك إلى إغلاق 152 قسما علميا في الجامعات إثر تلقيها تهديدات باختطاف أساتذتها أو اغتيالهم أو تصفية أحد أفراد أسرهم.

وتنسب الغالبية الساحقة من عمليات الخطف والقتل تلك إلى مجهولين، ولم تفض التحقيقات بشأنها إلى نتائج تذكر، فيما توجهت الاتهامات على نطاق واسع إلى الميليشيات الشيعية التي يختلط نفوذها إلى حدّ كبير بسلطات الدولة. ويتهم الكثير من العراقيين إيران بالوقوف وراء الاستهداف الواسع للكفاءات العلمية العراقية انتقاما من العقول التي صنعت قوّة البلد العلمية والتقنية أثناء سنوات الحرب الثماني التي خاضها العراق ضدّ إيران، وسعيا إلى إضعاف العراق ومنع عودته إلى قوة قادرة على مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.

ولم تسلم الجامعة العراقية من عملية الاجتثاث التي استهدفت من يسمون “رموز النظام” السابق، حيث طالت عمليات الطرد والملاحقة القضائية عددا من الجامعيين بتهمة التعاون وخدمة نظام صدام حسين والانتماء لحزب البعث. وكان جلّ الملاحقين والمطرودين من أبناء الطائفة السنية.

وأعاد زعيم “ائتلاف متحدون” أسامة النجيفي، إثارة القضية في لقاء جمعه مع نخبة من الأكاديميين وأساتذة الجامعات وتم خلاله “بحث الوضع السياسي والأمني والاقتصادي في العراق”، بحسب بيان صدر إثر اللقاء ورد فيه أيضا أن “المنهج المنحرف في استهداف الجامعيين على أسس طائفية يشكل خطرا على الهوية الوطنية”.

وعلق أحد الجامعيين العراقيين، طالبا عدم الكشف عن هويته، كونه أحد المستهدفين من قبل الميليشيات الشيعية، على بيان النجيفي بالقول إنه “ينطوي على لبس يتمثل في أنّ استهداف الكفاءات ودفعهم إلى الهجرة موضوع قديم لم ينجح العراق في أن يواجهه يوم كان في وضع طبيعي نسبيا. أما حماية ما تبقى من عقول داخل العراق فهو أمر لا أعتقد أن من الحنكة السياسية القول إن هناك من يمتلك القدرة على القيام به. لا لشيء إلا لأن الميليشيات التي تقوم اليوم بالخطف هي من القوة بحيث لا يلجأ أفرادها إلى إخفاء هوياتهم”. وختم متسائلا “إن أحدا من أهل الحكم في العراق لا يقوى على التصدي لتلك الميليشيات، فكيف يدّعي النجيفي نفسه وهو خارج السلطة ذلك”.

3