موجة الحر خط رفيع يفصل بين الفقراء والأغنياء

طريقة مقاومة الحر تكشف عمق الفوارق الاجتماعية، وسكان العشوائيات في معاناة موسمية مع الحرارة الشديدة.
الأربعاء 2018/08/15
تبريد طبيعي دون الحاجة لمكيف هواء

لندن - تعاني العديد من دول العالم من موجة حر شديدة منذ أسابيع، حيث سجلت مستويات قياسية وصلت إلى 46 درجة مئوية في البرتغال في وقت أذابت الحرارة المرتفعة الأسفلت في دول أخرى وأدت إلى اندلاع حرائق وإغلاق طريق سريع.

وأظهرت البيانات ارتفاعا كبيرا في عدد الوفيات، مقارنة بالمعدل في الأعوام الخمسة الماضية بسبب موجة الحر القاسية، في حين يلفت خبراء وباحثون إلى أن الحرارة الشديدة تكشف عمق التباينات الاجتماعية لسكان العالم فحتى الحرارة القاسية يتحملها الفقراء وضعاف الحال، الذين لا يملكون ثمن أجهزة التكييف، وأن التقسيم غير العادل للمدن يزيد معدل الحرارة وتتحمل ضريبته الطبقة الاجتماعية الضعيفة.

وعندما اجتاحت موجة الحر مقاطعة كيبيك الكندية في شهر يوليو الماضي، مما أسفر عن مقتل أكثر من 90 شخصا، ألقت أشعة الشمس الحارقة الضوء على حجم التفاوت الاجتماعي بين سكان العالم، إذ كشفت الحرارة الشديدة أن للأغنياء والفقراء طرقهم الخاصة للتغلب عليها لكن ليست بالضرورة طرقا عادلة ومتساوية، إذ لم يكن بوسع الجميع اقتناء أجهزة التكييف، وكانت الطبقة الضعيفة من الفقراء والمسنين العجز أولى ضحايا الحر.

وبينما استطاع أثرياء مونتريال اجتياز هذه الأزمة من خلال مكوثهم في المكاتب والمنازل المكيفة، كان على الفقراء وضعاف الحال المكافحة للهروب من موجة الحر، وكنتيجة لذلك، مات أربعة وخمسون شخصا من سكان مونتريال هذا الصيف.

ولم تحدد السلطات بعد ما إذا كان معظم الضحايا من المشردين والفقراء، ووفقا للإدارة الإقليمية للصحة العامة، أغلبية الضحايا فوق سن الخمسين، لكن المؤكد أنهم كانوا يعيشون بمفردهم ويعانون من مشاكل صحية جسدية أو عقلية.

وقال جان بروتشو الطبيب الشرعي في مونتريال، للصحافيين إن العديد من الجثث التي فحصها فريقه “كانت في حالة متقدمة من التحلل، حيث قضت هذه الجثث أحيانا ما يصل إلى يومين في الحر قبل أن يتم العثور عليها”.

وفي الهند، حيث من المتوقع أن تصل 24 مدينة إلى درجات حرارة صيفية قصوى تبلغ 35 درجة مئوية على الأقل بحلول عام 2050، فإن سكان الأحياء الفقيرة هم الأكثر عرضة لهذا الخطر. ومع ارتفاع خطر التعرض المطول للحرارة القاتلة، تزداد المخاطر المرتبطة بالكوارث البشرية.

راشيل موريلو فروش: الفوارق الاجتماعية تزيد من خطر العيش في بيئة معرضة للحرارة، وكلما كانت المدينة أكثر انقساما، كانت أكثر سخونة للجميع
راشيل موريلو فروش: الفوارق الاجتماعية تزيد من خطر العيش في بيئة معرضة للحرارة، وكلما كانت المدينة أكثر انقساما، كانت أكثر سخونة للجميع

وتوقع باحثو هاواي بالولايات المتحدة العام الماضي، أن تسجل نسبة سكان العالم المعرضين للحرارة المميتة لمدة 20 يوما على الأقل ارتفاعا من 30 بالمئة حاليا إلى 74 بالمئة بحلول عام 2100، إذا ما لم يتم إيجاد حلول لانبعاثات الغازات الدفيئة. ونبه الباحثون إلى أن “التهديد المتزايد لحياة الإنسان بسبب الحرارة الزائدة يبدو أمرا حتميا”.

وأظهرت دراسة نشرتها وكالة رويترز يوليو الماضي، أن ما يزيد على مليار شخص حول العالم يعيشون دون أجهزة تكييف الهواء أو أجهزة التبريد التي تحفظ طعامهم ودواءهم في ظل ارتفاع درجات الحرارة نتيجة ظاهرة الاحتباس الحراري.

وأفاد تقرير منظمة (الطاقة المستدامة للجميع)، التي لا تستهدف الربح، أن زيادة الطلب على البرادات (الثلاجات) والمراوح وغيرها من الأجهزة ستفاقم مشكلة تغير المناخ إذا لم يتحول وقود مولدات الكهرباء من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة النظيفة.

وأضاف أن نحو 1.1 مليار شخص في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، منهم 470 مليونا في مناطق ريفية و630 مليونا يعيشون في أحياء فقيرة داخل المدن، يواجهون مخاطر بسبب نقص هذه الأجهزة. ويبلغ عدد سكان الأرض 7.6 مليار نسمة.

وقالت راشيل كايت رئيسة المنظمة والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الطاقة المستدامة للجميع لرويترز، “تزداد أهمية تبريد درجة حرارة الجو بدرجة كبيرة”.

وذكر التقرير أن دراسة شملت 52 بلدا أظهرت أن الأكثر عرضة لهذا الخطر يعيشون في بلدان منها الهند والصين وموزامبيق والسودان ونيجيريا والبرازيل وباكستان وإندونيسيا وبنغلادش. وقالت كايت “علينا توفير التبريد بأسلوب فعال للغاية”.

وذكرت الدراسة أنه في المناطق النائية بالبلدان الواقعة في المناطق المدارية لا تصل الكهرباء إلى الكثير من الناس ولا تكون العيادات الطبية قادرة على حفظ اللقاحات والأدوية في درجات حرارة منخفضة. وفي الأحياء الفقيرة في المدن تنقطع الكهرباء لفترات طويلة. كما يفتقر الكثير من المزارعين والصيادين لوسائل التبريد اللازمة لحفظ منتجاتهم أو نقلها إلى الأسواق.

وكان من المتوقع أن يكون عام 2018 من بين أكثر الأعوام سخونة  حيث بلغت 43 درجة مئوية في باكو وأذربيجان، ووصلت إلى معدلات الثلاثين درجة مئوية في الدول الاسكندنافية.

وفي مدينة كيوتو اليابانية لم ينخفض ​مؤشر الحرارة إلى أقل من 38 درجة مئوية لمدة أسبوع. وفي الولايات المتحدة، انتشرت موجة حارة عبر البلاد في يوليو الماضي وصلت إلى 48.8 درجة مئوية في ولاية لوس أنجلس. واستعان سكان المدينة بمكيفات الهواء لدرجة أنها تسببت في حدوث عجز بالطاقة على مستوى المدينة.

وقام كل من أرمي فليمينغ وروث ميكلسون وأوليفر هولمس في تقريرهم على صحيفة الغارديان البريطانية بمقارنة درجات الحرارة بالمناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة وأخرى أقل وتوصلوا إلى أن الاختلافات ليست فقط في معدلات الحرارة لكن في طريقة مقاومة الحر الشديد إذا تبين عمق الفروق الاجتماعية.

وبمقارنة المناطق الحضرية بالمناطق الأخرى ذات الكثافة السكانية الأقل، تصل درجات الحرارة في المناطق الحضرية إلى أعلى معدلاتها عن تلك المناطق البعيدة. فالمدن تمتص الحرارة، حيث يعمل الإسفلت والطوب والخرسانة والأسقف المظلمة بمثابة الإسفنج الذي يمتص الحرارة نهارا ويعيد بث هذه الحرارة ليلا. لذلك يصبح مكيف الهواء هو المنقذ الوحيد لمن يستطيع تحمل نفقاته، وفي المقابل تصبح الشوارع أكثر حرارة وسخونة لأولئك الذين لا يستطيعون اقتناءه.

وحذر تقييم لحكومة الولايات المتحدة من أنه “من المتوقع أن تؤدي حرارة المدن، إلى جانب عامل التقدم في السن وارتفاع معدلات التحضر، إلى زيادة معدلات التعرض لخطر الحرارة الشديدة بالنسبة لسكان المدن الحضرية، وخاصة الفقراء، ما سيؤدي إلى زيادة التأثيرات الصحية المرتبطة بالحرارة في المستقبل”.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن حوالي 60 بالمئة من الناس سيعيشون في المدن بحلول عام 2030، وكلما ازدادت كثافة السكان، أصبحت المدن أكثر سخونة. وبالنظر إلى أن التنبؤات الأخيرة تحذر من أن ارتفاع درجات الحرارة في منطقة جنوب آسيا يعرض حياة الإنسان للخطر بحلول نهاية هذا القرن، إلا أن هذا الخطر لا يشمل هذه المنطقة فقط.

ولقي 65 شخصا حتفهم بسبب ارتفاع درجات الحرارة التي بلغت 44 درجة مئوية تقريبا في كراتشي بباكستان العام الجاري، وهي مدينة عانت من هذه الظاهرة، لكن ما يلفت إليه الباحثون والخبراء أن تأثير الحرارة الشديدة على الأرض والإنسان لا يتم توزيعه بشكل متساو.

وعلى سبيل المثال، وبحسب ما صرح به طارق بنمرحنيا، باحث الصحة العامة في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، هناك علاقة قوية بين المساحات الخضراء في المدن وثروتها؛ فعندما تصبح ظلال الأشجار قادرة على خفض درجة الحرارة بنسبة 11 إلى 25 درجة مئوية، فإن “المساحات الخضراء تعتبر بمثابة الملطف في موجات الحر هذه”.

وكشف البحث الذي شارك في كتابته مؤخرا أن الأشخاص الذين يعيشون في مناطق أقل خضرة معرضون لخطر الموت بنسبة أعلى من 5 بالمئة لأسباب تتعلق بالحرارة.

في القاهرة كل شيء خانق

تؤرق الحرارة الشديدة كل دول العالم خاصة بعد ارتفاع غير مسبوق في درجاتها، في الآونة الأخيرة، لكن بالنسبة لسكان القاهرة في مصر تشكل موجة الحر معاناة موسمية تتجدد كل صيف خاصة في الأحياء الفقيرة “العشوائيات”، حيث بلغت درجات الحرارة خلال أشهر الصيف 46 درجة مئوية.

وقام المصريون ببناء مبان متقاربة جدا من بعضها البعض، مما شكل شبكات كثيفة من الأزقة المظللة حيث يمكن للناس أن يشعروا ببعض البرودة.

 لكن البناء السريع للأبنية المرتفعة، وتناقص المساحات الخضراء جعلا كل شيء في إحدى أسرع مدن العالم نموا خانقا بشكل متزايد، في الوقت الذي أسهم فيه خفض الدعم الحكومي إلى ارتفاع تكاليف الكهرباء من 18 إلى 42 بالمئة، مما أثر على العديد من خيارات السكان الفقراء ممن يتوقون إلى إيجاد حلول لتلطيف الأجواء الحارة التي يعيشون فيها.

ويعمل حمد (41 عاما)، عامل نظافة ويعيش مع عائلته في شقة صغيرة في حي “مسترد” في شمال المدينة. وعلى الرغم من أنه يعتبر نفسه محظوظا هو وعائلته لأنهم يعيشون بالطابق الأول البارد نسبيا، إلا “أن كل شيء في القاهرة أصبح لا يُطاق”.

 لكل طريقته في التأقلم مع الحر
 لكل طريقته في التأقلم مع الحر

ويستخدم حمد المروحة والماء لتلطيف الجو، لكن فاتورة المياه أصبحت باهظة الثمن. ويقول “نستطيع دائما النوم على الأرض، وارتداء الملابس القطنية.. هذه الأجواء صعبة على من يرتدين الحجاب، لذلك أطلب من بناتي أن يرتدين طبقتين فقط وأن يرتدين ألوانا زاهية”.

وفي أحد المساكن العشوائية الأخرى في محافظة الجيزة، جنوب القاهرة، يعيش ياسين العقبة (42 عاما) وهو عامل صيانة قطار، في منزل مبني من خليط من الطوب الخرساني والطوب اللبني. ويصف ياسين ارتفاع الحرارة في شهر أغسطس بقوله “الجو هنا يصبح مثل الفرن. لدي مروحة أضعها أمام صحن من الثلج حتى ينتشر الهواء البارد في جميع أنحاء الغرفة. وأقوم بنثر الماء على أغطية الأسرّة”.

وغالبا ما تكون الأحداث المناخية عاملا في عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وقد كشف بحث تم نشره في مجلة “ساينس العلمية” في ديسمبر الماضي أنه إذا لم تنخفض انبعاثات غازات الدفيئة، فإن طلبات اللجوء العالمية ستزداد بنحو 200 بالمئة بحلول نهاية القرن، حيث من المتوقع أن يضاعف التهديد الذي يشكله تغير المناخ أزمة اللاجئين. ولن تكون حجة هؤلاء لمغادرة بلدانهم، الحرب والدمار وخطر التنظيمات المتطرفة في منطقتهم بل ستكون أشعة الشمس الحارقة دافعا لطلبهم الاحتماء تحت سماء دول تتمتع بطقس معتدل يسمح لهم بالعيش بشكل طبيعي ومريح.

وفي مخيم الزعتري للاجئين في منطقة شمال عمان يعيش حوالي 80 ألف لاجئ سوري، وهي مستوطنة حضرية شبه دائمة أقيمت قبل ست سنوات وصنفت كرابع أكبر مدينة في الأردن. وجاءت حمدة المرزوق (27 عاما) إلى المخيم منذ ثلاث سنوات هربا من الضربات الجوية على الحي الذي تقطنه في ضواحي دمشق.

وتقول حمدة “إنها منطقة صحراوية، ونحن نعاني كثيرا بسبب المناخ الحار هنا. لدينا طرق مختلفة للتعامل مع الحرارة الشديدة. نستيقظ في الصباح الباكر ونغمر الأرض بالمياه، ثم نرش الماء على أجسامنا. وبما أنه لا يوجد تيار كهربائي في النهار، لذا لا توجد فائدة من تشغيل المراوح. وعندما يتم توصيل الكهرباء ليلا، يكون جو الصحراء قد بدأ يبرد بالفعل”.

خطة للمستقبل

اكتشف باحثون أميركيون أن غياب المساواة الاجتماعية هو العامل الرئيسي الذي يغذي أزمة الحرارة الشديدة في المدن الحضرية. حيث كشف هؤلاء عن الفجوة العنصرية بين السكان وعلاقتها بازدياد درجات الحرارة في عام 2013، وبينوا أنه “كلما كانت المدينة أكثر انقساما، كانت أكثر سخونة بالنسبة للجميع″.

وقالت راشيل موريلو فروش، وهي واحدة من المؤلفين المشاركين في كتابة البحث، لصحيفة “لوس أنجلس تايمز″ في ذلك الوقت إن  “الفوارق الاجتماعية والعرقية تزيد من خطر العيش في بيئة معرضة للحرارة”.

ووجد الباحثون أن معالجة المدن ككل هي الطريقة الأكثر فعالية لمعالجة مشكلة موجات الحرارة الشديدة في المناطق الحضرية. وأوصى الباحثون بزراعة المزيد من الأشجار وزيادة الأسطح ذات الألوان الفاتحة للحد من التأثير الجزئي للحرارة، مضيفين أن التخطيط الحضري للتخفيف من الحرارة الشديدة في المستقبل “يجب أن يتضمن بشكل استباقي منظورا للعدالة البيئية وأن يعالج التفاوت العرقي”.

ويستنتج الباحث طارق مرحنيا أنه “لكسر العزلة الاجتماعية يتطلب دمج الأشخاص المنعزلين الأكثر عرضة للخطر، مثل المشردين والمهاجرين غير الشرعيين، في طبقات المجتمع، ومن الممكن أن يجدوا من يعتني بهم”.

12