موجة الهروب من الليرة إلى الدولار تشعل التضخم في تركيا

تصاعدت المخاوف من موجة انحدار جديدة لسعر صرف الليرة التركية، مع تزايد احتمالات رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال العام الحالي، وفي ظل تصاعد العنف واستمرار الغموض السياسي مع اقتراب انتخابات الإعادة في نوفمبر المقبل.
الأربعاء 2015/09/30
تراجع الليرة يأكل رواتب العمال ويشعل مطالبهم بزيادة الأجور

يلخص التراجع الحاد لسعر صرف الليرة مقابل الدولار حجم الأزمة الاقتصادية التركية، في وقت يبدو تراجعها المحدود أمام اليورو مفيدا، لأنه يعطي البضائع التركية ميزة تنافسية في أكبر أسواقها.

وبلغت خسائر الليرة التركية مقابل اليورو منذ بداية العام الحالي أكثر من 20 بالمئة، في حين بلغت مقابل الدولار نحو 33 بالمئة. لكن خسائرها المجمعة أمام الدولار بلغت أكثر من 54 بالمئة، منذ تفجر فضائح الفساد المرتبطة بحزب العدالة والتنمية في ديسمبر 2013.

ولا يخلو ضعف الليرة أمام اليورو من عناصر إيجابية في المحصلة النهائية، لأنه يغري التجار الأوروبيين بشراء البضائع التركية. كما يشجع السيــاح على زيارة البلاد.

وفي انتظار تحقيق زيادة مجزية في الصادرات، وازدياد نسبة السياح، ينذر أفق انهيار الليرة مقابل الدولار المستثمرين في تركيا بمزيد من الضغوط والخسائر، لأن ديونهم مقومة بالدولار، ويبيعون إنتاجهم بالليرة.

وتسارع الانهيار الدراماتيكي لليرة في يونيو الماضي، مع ظهور النتائج الأولية للانتخابات النيابية التي دلت على تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية، الأمر زاد من الغموض بشأن مستقبل الاستقرار السياسي والاقتصادي.

وساهم تراجع الليرة وارتفاع التضخم والغموض السياسي في اتساع ظاهرة هروب رؤوس الأموال الساخنة، خاصة بعد وقف برنامج التيسير النقدي الأميركي، وتسارع نمو الاقتصاد الأميركي وتزايد احتمال رفع الفائدة الأميركية خلال العام الحالي.

وسقط الاقتصاد التركي في دوامة مخيفة، حيث أدى تراجع الليرة إلى ارتفاع التضخم، الذي يعود مرة أخرى ليزيد موجة الهروب من الليرة إلى الدولار فتتعمق الحفرة يوما بعد يوم.

وفشلت جميع ضغوط الرئيس رجب طيب أردوغان لخفض الفائدة وجهود مهندسي الاقتصاد التركي لخفض التضخم، الذي بقي فوق حاجز 7 بالمئة منذ العام الماضي، إلى المعدل المستهدف البالغ 5 إلى 6.7 بالمئة.

تراجع الليرة الكبير يغذي حفرة التضخم التي تعود لتدفع الليرة لمزيد من الهبوط لتدخل البلاد في دوامة محكمة

وتشير التقديرات إلى أن التضخم يقترب حاليا من 9 بالمئة. ويمكن أن يرتفع أكثر بسبب تراجع الليرة إلى مستويات تزيد على 10 بالمئة، خاصة في حال فشل حزب العدالة والتنمية في انتخابات الإعادة في أول نوفمبر المقبل.

وكان أكبر انعكاس لانخفاض الليرة على السلع المستوردة والتي تدخل في إنتاجها مكونات مستوردة، وشملت الكثير من السلع وخاصة المشروبات الكحولية والتبغ بحسب معهد الإحصاء التركي.

كما ارتفعت أسعار اللحوم خلال العام الحالي بنحو 20 بالمئة، بينما حافظت الخضار والفواكه على أسعارها السابقة نتيجة وفرة الإنتاج التي تمكنت من الاستجابة لزيادة الطلب الناتجة عن موجات اللجوء إلى تركيا من سوريا والعراق.

ورغم أن ذلك لم يحدث فجأة، لا يزال البنك المركزي التركي مترددا في رفع أسعار الفائدة، خوفا من تراجع وتيرة النمو الاقتصــادي، وانقـلابه إلى انكماش اقتصادي. وضاعف الهبوط القياسي لليرة التركية تكلفة الدين الخارجي المقوم في غالبيته بالدولار.

وحال ذلك الهبوط دون إقدام المستثمرين على مغامرة ضخ أموالهم في الاقتصاد التركي، ما أدى إلى تراجع الصادرات التي ظلت وجهتها المفضلة أوروبا ذات اليورو الضعيف. ولم يتمكن الاقتصاد من الاستفادة من الليرة الضعيفة لزيادة الصادرات، بقدر يعوض تراجع الليرة، ووقع في الوقت نفسه في مصيدة مخاطر الاستقرار المالي، كون الشركات تبيع بالليرة الضعيفة وتدفع ديونها بالدولار القوي.

ضغوط الرئيس التركي الشديدة فشلت في إجبار البنك المركزي على خفض أسعار الفائدة

ومنع تراجع الليرة الاقتصاد التركي من الاستفادة من تراجع أسعار النفط العالمية، لأن تراجع الليرة كان أسرع من تراجع أسعار النفط أحيانا، ما أبقى أسعار الوقود مرتفعة بالنسبة للمستهلكين والشركات. كما تواصلت مضاربات ما يعرف بـ”لوبي الفوائد” في تركيا، الذين يراهنون على انخفاض الليرة لتحقيق أكبر العوائد من جراح الأزمة السياسية والاقتصادية.

وانعكس كل ذلك في اتساع عجز الميزان التجاري التركي، الذي سجل مستويات قياسية غير مسبوقة، الأمر الذي قلل من شهية المستثمرين وإقبالهم على ضغ أموالهم في البلاد.

وساهم التضخم المستورد في ارتفاع عجز الميزان التجاري لنحو 60 مليار دولار خلال العام الحالي، والذي ينتج عن ارتفاع أسعار الواردات وخاصة النفط، حيث تستورد تركيا نحو 90 بالمئة من احتياجاتها.

ويبدو مستقبل الاقتصاد التركي قاتما حتى في حالة فشل الحزب الحاكم في الانتخابات المقبلة. حيث يمكن أن يؤدي تشكيل حكومة جديدة، بفكر جديد، إلى إدخال البلاد في مرحلة انتقالية، في وقت تحتاج فيه للاستقرار بعيدا عن المغامرة في تجريب وصفات اقتصادية غير مضمونة.

في هذه الأثناء يشكو البنك المركزي التركي من تراجع احتياطيه من العملات الصعبة إلى نحو 42 مليار دولار، أي أنها لا تغطي تكاليف الواردات لأكثر من شهرين. كما أدى ارتفاع التضخم وتراجع الليرة إلى ارتفاع جامح في عوائد السندات الحكومية، التي تعكس التكلفة الباهظة لاقتراضها.

ويبدو البنك المركزي أمام خيارين أحلاهما مر، إما المحافظة على وتيرة النمو المتوسطة من خلال استبعاد فكرة رفع معدل الفائدة، أو رفع معدل الفائدة لضبط حركة التضخم. وتقدر ديون تركيا الخارجية حاليا بنحو 420 مليار دولار، والتي تفاقمت بسبب العجز المتواصل في ميزان المدفوعات. وهما أمران وضعا الليرة في وضع لا تحسد عليه إن استمرت الأوضاع الحالية لفترة طويلة.

10