موجة انتقام طائفي تجتاح مجددا محافظة ديالى العراقية

ارتفاع منسوب التوتر الطائفي في العراق وحساسية مكونات مجتمعه المفرطة للأحداث الداخلية وحتى الإقليمية، وردات الفعل العنيفة عليها، تنذر بالعودة إلى مربّع الحرب الطائفية.
الأربعاء 2016/01/13
الحريق يتوسع

بعقوبة (العراق) - داهمت موجة من الانتقام الطائفي مجدّدا محافظة ديالى العراقية التي تعيش وضعا شاذا منذ إعلان استعادتها بالكامل من يد تنظيم داعش في يناير من العام الماضي بجهد رئيسي من ميليشيات الحشد الشعبي التي تولّت أيضا عملية مسك الأرض، فيما استولت كتلة بدر الشيعية على منصب المحافظ رغم أن العرف السائد يقضي بأن يكون المنصب من نصيب المكوّن السني الأغلبي في المحافظة.

ولم تعرف مناطق ديالى الاستقرار الأمني طيلة الأشهر التي تلت استعادتها من داعش، حيث ظلّ التنظيم ينفّذ عمليات دموية ضدّ سكان المحافظة، مستدرجا الميليشيات لعمليات انتقام غالبا ما تطال السكان أنفسهم.

وإثر هجوم شنّه التنظيم أول أمس الإثنين على مقهى بشمال شرقي بعقوبة مركز محافظة ديالى وخلّف أكثر من عشرين قتيلا، بادرت ميليشيات مسلّحة بحرق وتفجير عدد من المساجد ومداهمة الدور السكنية بحسب أحمد العزاوي، أحد شيوخ عشيرة العزاوية بالمحافظة الذي نقلت عنه وكالة الأناضول قوله إنّ مجموعات مسلحة قامت بحرق وتفجير 6 مساجد في قضاء المقدادية بعد التفجيرات التي طالت منطقة للشيعة في القضاء ذاته.

وأوضح العزاوي أن المساجد الستة التي تم حرقها أو تفجيرها بعبوات ناسفة هي مسجد القادسية ومسجد المقدادية الكبير ومسجد الأورفلي ومسجد العروبة ومسجد القدس ومسجد مثنى الشيباني.

وشرح أنّ مجموعات مسلحة في سيارات سوداء، قتلت أشخاصا من سكان الأحياء السنية في القضاء بأسلحة مختلفة.

وأشار إلى أن “المجموعات المسلحة، انتشرت بشكل واسع في شوارع المقدادية، وأخذت تداهم منازل المواطنين في القضاء، وتعتدي على الرجال والشباب”.

وطالت عمليات القتل صحفيين يعملان لقناة فضائية معروفة بخطها التحريري الناقد لنظام المحاصصة الطائفية القائم في البلاد، حيث قضى مراسل القناة ومصوره على طريق مؤدية إلى بعقوبة مركز محافظة ديالى تقيم عليها ميليشيات شيعية نقاط تفتيش.

ورجّحت أوساط إعلامية عراقية أنّ هدف العملية التعتيم على الأحداث الجارية في المحافظة.

وأكّدت مصادر أمنية ومسؤولون محليون أمس أنّ عشرات المتاجر أُحرقت وأنّ عشرة أشخاص على الأقل قتلوا بالرصاص في مدينة المقدادية التي تبعد 80 كيلومترا شمال شرق بغداد.

عمليات ممنهجة تتجاوز ردات الفعل على هجمات داعش مستهدفة تغيير الطبيعة الديموغرافية لديالى

وقال شهود إن عددا من الأشخاص الذين قتلوا أطلق عليهم الرصاص داخل منازلهم أو أخرجوا منها إلى الشارع حيث أعدمهم مسلحون يرتدون بزات مموهة وسوداء.

وقالت مصادر في الشرطة وسكان محليون إن المسلحين كانوا يجوبون المقدادية وينذرون الأهالي عبر مكبرات الصوت بمغادرة المدينة أو مواجهة الموت.

ووصفت أم إبراهيم وهي أرملة سنية هربت إلى مدينة خانقين القريبة بعد أن شاهدت النيران وهي تلتهم مسجدين بأن ما حصل كان أسوأ من “جهنم” مشيرة إلى أنها اضطرت إلى إخفاء ولديها تحت كومة من الثياب في خزانتها كي لا يكتشف المسلحون وجودهم.

وارتفع منسوب التوتر الطائفي في العراق بشكل يدفع كثيرين إلى التحذير من حرب طائفية جديدة في البلد الذي غدت ساحته الداخلية شديدة الحساسية للأحداث الداخلية وحتى الإقليمية.

وحذرت الأمم المتحدة في بيان من أن تفجيرات المساجد قد “تعيد البلاد إلى الأيام المظلمة للصراع الطائفي”.

وكان مسجدان سنيان على الأقل قد أحرقا في محافظة بابل بجنوب بغداد بعد إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في السعودية الأسبوع الماضي. وليست المرّة الأولى التي تشهد فيها محافظة ديالى ذات الموقع الحساس على الحدود مع إيران عمليات انتقام طائفي، حيث يذهب البعض إلى القول بأنها عمليات ممنهجة تتجاوز ردات الفعل على هجمات داعش مستهدفة تغيير الطبيعة الديموغرافية للمحافظة في اتجاه إفراغها من سكانها السنّة وتحويلها محافظة شيعية بالكامل خدمة لمخطّط إيراني بجعل المحافظة حزاما أمنيا.

ودعا رئيس مجلس النواب سليم الجبوري أمس إلى حقن دماء المواطنين. وذكر بيان صادر عن مكتبه أنّه أجرى اتصالات ‫‏عاجلة مع القيادات الأمنية و‏السياسية لاحتواء الموقف في ‫‏المقدادية.

ووصف عبداللطيف الهميم رئيس ديوان الوقف السني العراقي أحداث المقدادية بأنها “سعي بائس لتحطيم الوحدة الوطنية العراقية”.

ويفسّر موقع ديالى على الحدود مع إيران الدور الكبير للميليشيات الشيعية هناك، حيث ساهمت قوات الحرس الثوري الإيراني منذ تسرّب عناصر تنظيم داعش إلى المحافظة وسيطرتهم على بعض مناطقها بشكل عملي في تأطير جهود مواجهة التنظيم عن طريق الحضور المباشر لقائد الحرس قاسم سليماني على أرض المحافظة وظهوره العلني هناك بصدد قيادة المعارك.

ونظرا لعدم ثقتها في القوات المسلّحة العراقية، فقد دفعت إيران الميليشيات إلى أخذ الدور الأكبر في عملية مسك أرض المحافظة لتكون بمثابة حزام أمني لها.

ولتوفير الغطاء السياسي والإداري لذلك استولت الأحزاب الدينية على منصب المحافظ بعد أن جرى العرف بأن يكون المنصب من نصيب إحدى القوى السياسية السنية اعتبارا للتركيبة السكانية لديالى والمشكّلة من غالبية سنية.

وأسند المنصب لمثنى التميمي المنتمي إلى منظمة بدر الشيعية بقيادة هادي العامري.

وعلى مدار الأشهر الماضية مارست الميليشيات ضغوطا شديدة على سكان المحافظة تراوحت بين الخطف والقتل والاستيلاء على الأموال والممتلكات، فيما أثار منع النازحين من سكان المحافظة من العودة إلى ديارهم شكوكا بوجود مخطط لتغيير التركيبة السكانية للمحافظة لتصبح ذات غالبية شيعية.

3