موجة تعاطف مع فكاهي فرنسي نُعت بـ"الأسود القذر"

الفكاهي الفرنسي دونيل جاكسمان يتعرض لموقف عنصري خلال أحد عروضه الأسبوع الماضي في مدينة نيس الفرنسية.
الاثنين 2018/12/31
دونيل جاكسمان: هناك خوف تجاه الآخر يغذيه السياسيون

مرسيليا (فرنسا) – بعد أن نُعت الفكاهي الفرنسي دونيل جاكسمان بـ”الأسود القذر” خلال أحد عروضه الأسبوع الماضي في مدينة نيس الفرنسية، أشاد بـ”وعي الشعب الفرنسي” بالنظر إلى تلقيه المئات من رسائل الدعم في غضون ثلاثة أيام.

وبث الفكاهي، البالغ من العمر37 عاما وهو فرنسي من أصول كاميرونية وترعرع في إحدى ضواحي العاصمة باريس، الأربعاء، عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقتطفا من عرضه في 23 ديسمبر في نيس (جنوب شرق). ويُسمع فيه صوت شخص ينعته ثلاث مرات بـ”الأسود القذر”.

وتعذّر تحديد هوية الرجل. وأرسلت إحدى الحاضرات في الصالة الشريط إلى الفكاهي الذي بثّه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مشدّدا على أنه ليس مزحة.

وأرفق الشريط بالرسالة التالية “أتعاطف مع كل الأشخاص الذين يتعرّضون للعنصرية والتمييز في حياتهم اليومية وغالبا ما يكونون بمفردهم وسط لامبالاة مطلقة! ينبغي أن نحب بعضنا البعض رغم اختلافاتنا”.

وتلقى جاكسمان المئات من الردود ورسائل الدعم من بينها واحدة من وزير الداخلية كريستوف كاستانير. ونشر الوزير الفرنسي تدوينة على تويتر قال فيها “هذا أمر لا يمكن تصوره، ومع ذلك يتم إطلاق كلمات تنمّ عن الكراهية… فلنرفض ما يبدو تافها ومألوفا بالنسبة لهؤلاء العنصريين، لأن هذا ليس أمرا عاديا أبدا”.

من جانبه وصف كريستيان أستروسي عمدة نيس على حسابه الشخصي على تويتر الهجوم على الفكاهي الفرنسي بـ”السلوك غير المقبول”، وقال “أدين بأقوى العبارات السلوك غير المقبول لهذا المشاهد وإهانته العنصرية”، مضيفا بأنه “لا يمكن تحمّل أيّ شكل من أشكال العنصرية في مدينة نيس”.

وأوضح الفكاهي أنه سيتقدّم بشكوى “ليس من أجل المال، بل هي مسألة مبدأ ولشحن كل ضحايا التمييز بالشجاعة” ليحذو حذوه. وقال “مكافحة العنصرية يجب أن يشنّها الجميع. ومن المهم أن يكون الشعب الفرنسي عازما على العيش المشترك”.

وفي تصريحات لوسائل إعلام فرنسية قال جاكسمان “هذه ليست فرنسا التي أحبّها أو التي أعرفها. هذا عنف لا يمكن وصفه”، وتابع مؤكدا أن “أقلية من الفرنسيين هم من العنصريين”.

وقال، بعد أيام من الحادثة، “إنها ليست مدينة نيس التي يجب التشكيك فيها ولا فرنسا، إنها أقلية من الفرنسيين الذين يتسمون بالعنصرية ولا يقبلون الاختلاف ويريدون تقسيم الناس”.

جاكسمان أكد أنه في عروضه القادمة سيطلب من الناس عدم وصم السود والعرب، إلى جانب أنه لا يجب أيضا وصم جميع البيض ووضعهم جميعا وفق وصفه “في نفس كيس العنصرية”.

ويلاحظ الفكاهي الفرنسي، الذي يؤكد أن “العنصرية جريمة”، أن “الفجوة يجري إنشاؤها في فرنسا مع إطلاق الكلام الكريه على العنصرية ومعاداة السامية ورهاب المثلية والتمييز على أساس الجنس”، معتبرا أن هناك حالة من الخوف تجاه الآخر تكبر شيئا فشيئا ويغذّيها السياسيون والأحزاب السياسية.

ولمواجهة الممارسات العنصرية والمعادية للسامية وغيرها من السلوكيات التي تمسّ بقيم التسامح والتعايش بين الثقافات والديانات المختلفة، أطلقت فرنسا في وقت سابق من الشهر الحالي منصة للإبلاغ عن الإساءات العنصرية والمعادية للسامية وهي خطوة جديدة تأتي في إطار الخطة الوطنية لمناهضة هذا النوع من الإساءات التي أعلن عنها رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب خلال شهر مارس الماضي.

منصة التبليغ عن الأحداث العنصرية والمعادية للسامية كشف عنها وزير التربية الوطنية والشباب جون ميشال بلانكي الأسبوع الماضي، وتمكّن هذه المنصة الجديدة موظفي قطاع التربية في فرنسا من التبليغ عن كل ممارسة تنتهك قيم العلمانية في البلاد والتي تحدث داخل المؤسسات التربوية، بالإضافة إلى السلوكيات والأحداث العنصرية والمعادية للسامية.

تهدف وزارة التربية والشباب من خلال إحداث منصة التبليغ عن العنصرية تسريع تدخلها لمعالجات هذه الوضعيات. وبين 19 مارس و30 سبتمبر من العام الحالي، وفق بيان صادر عن الوزارة، كشفت التقارير عن تلقي حوالي خمسين إشعارا تم تسجيلها تحت بند “العنصرية/ معاداة السامية”.

وتشتمل خطة الحكومة لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية على محور مهمّ مكرّس لمحاربة الكراهية في الفضاء الافتراضي.

جاءت الخطة الوطنية للحكومة لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية لتعزز تشريعات البلاد في هذا الشأن، فالقانون الجنائي الفرنسي يشدّد العقوبات في حالة الجرائم التي تُرتكب على أساس انتماء الضحية أو عدم انتمائها لجماعة عرقية أو أمّة أو دين أو ثقافة معيّنة.

وتواتر الممارسات العنصرية في فرنسا ليس استثناء أوروبيّا أو عالميّا، فالعديد من البلدان في كافة أنحاء العالم تعيش أحداثا مماثلة غذّتها أنشطة أنصار الحركات اليمينية المتطرفة التي انتعشت بالتزامن مع تدفّق موجات الهجرة نحو أوروبا وبلدان أميركا الشمالية، بسبب اندلاع الصراعات والحروب الأهلية في الكثير من المناطق.

كما تحجج اليمين الشعبوي في أوروبا وبلدان أخرى بالهجمات الإرهابية التي تنفذها الجماعات الجهادية ليستهدف بدورهم المنحدرين من أصول أجنبية أو معتنقي الديانات الأخرى غير المسيحية، ويطلق العنان لأفكاره الرافضة لقبول الآخر والتعايش السلمي بين الثقافات والديانات والأعراق.

13