موجة ثالثة من الهجرة العكسية إلى مصـر

مصر أمام تحديات صعبة لإيجاد مخارج مناسبة لاستيعاب عمالتها العائدة، وبعض الدول الخليجية يمكن أن تتراجع تأثيراتها السياسية على الدول ذات الوفرة في العمالة الوافدة.
الخميس 2020/05/07
عودة مع توقع انكماش اقتصادي بفعل كورونا

بدأت القاهرة عملية إجلاء واسعة لنحو سبعة آلاف من العمالة المصرية في الكويت، الثلاثاء، وسبقتها قوافل عدة، ستلحق بها عمليات نقل من دول أخرى، بكل ما تنطوي عليه من خسائر مادية ومعنوية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الوطني من مشكلات جسيمة، مثل أي اقتصاد عالمي ناشئ أو متطور، حيث عصف كورونا بكثير من الآمال والطموحات.

تعدّ هذه الموجة الثالثة للهجرة العكسية الأشد خطورة في مصر، الأولى عندما قامت الولايات المتحدة بغزو العراق وما تلاه من عودة نحو مليون مواطن عملوا سنوات طويلة في حرف مختلفة بالعراق واندمجوا في مجتمعه، والثانية عقب سقوط نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا وما أعقبه من عودة حوالي مليون آخرين، ولم تتجاوز فترة العودة بين الموجتين ثمانية أعوام، واستوعبت الحكومة صدمة هاتين الموجتين، ودفعت ثمنا اقتصاديا باهظا.

بعد نحو تسعة أعوام على الموجة الثانية، تستعد مصر لاستقبال موجة ثالثة قد تعادل أكثر من ضعف الرقم السابق، لأنها تشمل غالبية دول الخليج، ناهيك عن دول أخرى في أوروبا وأميركا وآسيا وأفريقيا، ذات العمالة الموسمية التي من المرجح أن يفقد غالبية أصحابها وظائفهم، حسب تقديرات عالمية متعددة.

امتصت القاهرة الموجة العراقية بصعوبة لأن عددا كبيرا من العائدين إلى بلدهم نجحوا في إيجاد فرص استثمارية صغيرة، ونسبة كبيرة منهم تسرّبت إلى دول خليجية بدأت مرحلة جديدة لتطوير بنيتها التحتية واستوعبت جزءا من العمالة المصرية التي فرّت من العراق. ونسبة ضئيلة بقيت عاطلة بالداخل ذابت في طابور البطالة الطويل.

تسببت الموجة الثانية (الليبية) في أزمة كبيرة للاقتصاد، لأن عودة العاملين تزامنت مع اندلاع ثورات الربيع العربي وما صاحبها من فوضى، عانت مصر منها كسائر الدول التي ضربها فايروس الاحتجاجات والتظاهرات، وتم تخفيف آلامها المادية عن طريق عودة نسبة من هذه العمالة إلى ليبيا مرة أخرى، مستفيدة من الروابط الاجتماعية بين الشعبين، وهضم مجموعة منها في المشروعات التنموية العملاقة، فنسبة كبيرة ممن عاشوا في ليبيا عملوا في قطاع البناء الذي وجد انتعاشة مع الشروع في تشييد العاصمة الإدارية الجديدة.

حصدت مصر مكاسب مادية كبيرة من وراء هجرة الملايين من المواطنين إلى بعض الدول العربية خلال العقود الماضية، لم تخل من ضرائب سياسية، ومع تداعيات فايروس كورونا ستشهد المكاسب والضرائب تغيرات، حيث يستعد كثيرون إلى إخلاء مواقعهم وإنهاء أعمالهم، كسمة عامة تجتاح العالم، ربما يكون الضرر الواقع على مصر أكثر مرارة، بحكم ارتفاع أرقام العاملين في الخارج، وما يمثله هذا النوع من الهجرة من تحديات تتجاوز الأبعاد الاقتصادية المباشرة.

لا أعلم كيف تمتص الحكومة المصرية الموجة الثالثة، في ظل ظروف بالغة القسوة، فالاقتصاد الواعد متوقع أن ينكمش بفعل كورونا وروافده، والمشروعات القومية يمكن أن يتأثر العمل بها بسبب توجيه جانب من الدخل القومي لسد الحاجات الرئيسية للمواطنين، كما أن مفاجأة العودة قد لا تسعف الكثير من العائدين ترتيب أوضاعهم جيدا. فمهما كانت سنوات العمل طويلة بالخارج فالجزء المادي فيها لا يكفي فئة عريضة من توظيفه مستقبلا.

يستطيع البعض تكييف أمورهم وسد رمق أبنائهم، وربما تتحمّل الحكومة أعباء آخرين، لكن ستظل هناك نسبة ليست هينة تمثل عبئا على المجتمع، يمكن أن تؤدي إلى أزمات سياسية وأمنية، إذا لم تحسن أجهزة الدولة التعامل معها وتوجيه طاقتها إلى نواحِ إيجابية وخلاقة.

تعدّ العمالة الوافدة واحدة من الأوراق التي تمتلكها الدولة المستوردة، أي دولة، وتتوقّف درجة التأثير على عددها، بمعنى كلما زادت النسبة زاد التأثير، والعكس. وهي معادلة تشتمل على مفردات ومعان دقيقة، ويمكن أن تصبح مكوّناتها السياسية متوازنة عندما تكون العمالة المنتسبة لدولة ما ماهرة وتتحكم في قطاع معين.

يبدو الاتجاه الأخير نادرا، لأن الدولة المستقبلة تعي هذه الفرضية وتوابعها، وتحرص على التنويع وعدم توطين أبناء جالية محددة في مهنة واحدة. وإذا حدث تراخ في ضبط الوضع على هذه البوصلة فلدى كل طرف ما يملكه للتأثير على الآخر من خلال التهديد بالطرد أو السحب. وفي الحالتين يصل الموقف إلى نقطة توازن قد ينطلق منها الطرفان إلى تفاهم مشترك لتخفيف الأثر السياسي السلبي المنتظر.

يحدث الخلل في حالة تزايد عدد العمالة المهاجرة من دولة ما، وينخرط هؤلاء في حياتهم الجديدة، ويرتب بلدهم الأم أوضاعه على أنهم أصبحوا مصدرا مهما للدخل والعملة الأجنبية. وبرعت بعض الدول في استخدام هذه الورقة، فإذا أرادت تعزيز علاقاتها استجلبت أعدادا كبيرة من هذه الدولة أو تلك، وعندما تنوي تعكيرها تلوّح بالتخلي عنها أو نسبة منها. وخضعت القاهرة لطقوس هذه الزاوية الحادة وأُجبرت أحيانا على قبول مواقف سياسية معينة.

حضرت القمة الأفريقية التي عقدت في سرت الليبية في سبتمبر 1999، وكانت عاصفة، حيث أراد الزعيم الراحل معمر القذافي أن يعلن فيها ولادة الولايات المتحدة الأفريقية، وتدفقت مياه سياسية غزيرة، وجرت مناقشات ساخنة، وحدث انقسام حاد بين المؤيدين لهذه الرؤية والرافضين لها، وانتهت القمة في نحو الرابعة فجرا بدون اتفاق حول أهدافها.

هناك الكثير من التفاصيل الشخصية سيأتي يوم أحكي عنها، لكن ما يلفت الانتباه من الناحية السياسية أن الكثير من قادة الدول وأعضاء الوفود الذين شاركوا في القمة لم يقتنعوا بفكرة الولايات المتحدة الأفريقية، وتمت مسايرة العقيد الليبي لأسباب مختلفة، بينها الحفاظ على استمرار العمالة الأجنبية في ليبيا، فغضبه في حينه قد يكون كفيلا بطرد أبناء أي دولة.

سمعت هذا الكلام مباشرة من السفيرة منى عمر، مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية سابقا، عندما أبدت انزعاجها مما جرى في الغرف المغلقة، وسألتها لماذا لم يعلن الوفد المصري رأيه بصراحة في رؤية القذافي، فقالت باقتضاب العمالة تكبلنا سياسيا، وتقصد أن الرفض سيكون مكلفا اقتصاديا، فمن الممكن أن يتخذ القذافي قرارا بالاستغناء عن العمالة المصرية كعادته، وقُدّر عددها بنحو مليوني عامل في ذلك الوقت.

تكشف هذه الواقعة عمق البعد الدبلوماسي في ملف العمالة المهاجرة من أي دولة، وتشير إلى أن المضمون السياسي لا يقل أهمية عن نظيره الاقتصادي. فوجود عمالة وفيرة من دولة ما في دولة أخرى يعد عنصرا مهمة في يد الثانية، يمنحها ميزة للضغط على الأولى، وربما يصبح الثمن مختلفا في حالة اختفاء هذه الورقة، وتغير الحسابات السياسية.

تعود العمالة المصرية دوما في أجواء استثنائية، ودون أزمات سياسية مباشرة، وعلى صلة بحدوث تحولات مفاجئة، فعادت من العراق مع الغزو الأميركي بينما حافظت على حضورها بكثافة خلال الحرب العراقية الإيرانية، وعادت من ليبيا مع سقوط نظام القذافي وما صحبه من انفلات أمني واسع، وظهرت مقدمات عودة عكسية من الخليج العربي مع أزمة كورونا وما خلفته من انعكاسات وعرة.

تؤكد هذه المعطيات أن مصر أمام تحديات صعبة لإيجاد مخارج مناسبة لاستيعاب عمالتها العائدة، وبعض الدول الخليجية يمكن أن تتراجع تأثيراتها السياسية على الدول ذات الوفرة في العمالة الوافدة، إذا لم تتمكن من إيجاد بدائل أخرى للنفوذ، ما يجعل قضية العودة تخضع لرؤى تتجاوز النواحي الاقتصادية للدول المصدرة والمستوردة لها.

8