موجة غضب جماهيري تداهم السياسيين المتقاتلين على السلطة في العراق

أزمة البرلمان عرّت بشكل نهائي الطبقة السياسية أمام الشارع العراقي الذي يستعد لصيف أسخن من سابقه، خصوصا وأنّ الأزمات التي أججت احتجاجات الصيف الماضي، مثل أزمة الكهرباء، لم تخف حدّتها بل ازدادت تشعبا وتعقيدا.
الأربعاء 2016/04/20
مكان مناسب

بغداد - عادت مظاهر الغضب الشعبي تغزو شوارع العاصمة العراقية بغداد وعددا من مراكز المحافظات بالتزامن مع تصاعد الأزمة السياسية وفشل جهود تطويقها في ظلّ “استماتة” مختلف مكونات الطبقة السياسية في الدفاع عن مكاسبها، وحماية مواقعها في السلطة من عملية الإصلاح المفترضة ومن التعديل الوزاري الذي غاب تحت ركام أزمة مجلس النواب، التي قفزت إلى الواجهة لتغطي على مطالب العراقيين بتحسين الأوضاع المعيشية وتحقيق الأمن ومحاربة الفساد.

ومع فشل البرلمان العراقي، الثلاثاء، في التـوصل إلى نـزع فتيـل أزمة رئـاسة مجلس النواب خلال الجلسة الطارئة التي دعا إليها رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، تدفقت جمـوع المحتجين باتجاه قلب العـاصمة بغداد.

وبدأ التحضير لاعتصام يتوقّع أن يكون أطول من سابقه وأكثر إصرارا على تحقيق المطالب الشعبية.

وبينما استعدّ زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر من خلال لجان تنظيم تضمّ المئات من المتطوّعين، للتحكّم بالحراك الاحتجاجي على غرار المرّة السابقة، لمنع انزلاقه باتجاه تهديد نظام حكم الأحزاب الدينية، أظهرت أعداد من المتظاهرين إصرارا على الاحتجاج بشكل مستقل تحت راية “الحراك المدني”.

وقال شهود عيان إنّ هذا الحراك أعدّ لافتات وشعارات وأهازيج لا تستثني المطالبة بإسقاط نظام المحاصصة وبرحيل الطبقة السياسية برمّتها دون استثناء، الأمر الذي جعل السلطات تبادر بإجراءات أمنية صارمة لمواجهة إمكانية انفلات زمام الاحتجاجات من يد زعيم التيار الصدري.

ومن جهتها قالت مصادر نيابية، إنّ رجال دين، وزعماء سياسيين نصحوا الصدر بعدم المقامرة باللجوء إلى الشارع مجدّدا بناء على معلومات بشأن اهتزاز ثقة عدد كبير من المحتجين به لاعتبارهم إياه متواطئا في حماية النظام القائم.

التركيز على الوضع القانوني لرئيس مجلس النواب المقال محاولة للهروب من الأزمة الحقيقية التي تتعلق بطبيعة وآليات الحكم

وتصاعدت أزمة البرلمان العراقي الثلاثاء باعتراض الفريق المؤيد لرئيس البرلمان سليم الجبوري على اعتلاء عدنان الجنابي الرئيس المؤقت الذي انتخبه النواب المعتصمون منصة الرئاسة.

وسرعان ما بدأت كتل الأحزاب الكردية ومتحدون التي تضم أطرافا سنية إضافة إلى كتل المواطن بزعامة عمار الحكيم والفضيلة وبدر بالانسحاب من الجلسة.

وقالت النائبة آلاء الطالباني في مؤتمر صحافي بعد مغادرتها القاعة “نحن المجتمعون هنا، اتحاد القوى، والمواطن، وبدر، والتركمان، والمسيحيين، وكتلة الفضيلة، حضرنا بناء على دعوة رئيس الجمهورية لحل الأزمة، وحماية الدستور”.

وأضافت “فوجئنا بأن المعتصمين استمروا في أجندتهم، من دون نصاب واتخذوا قرارات لذا قررنا الانسحاب، من هذه الجلسة الطارئة”. واعتبرت ذاك بمثابة “ضرب للشراكة الوطنية، والعملية السياسية”.

من جهته، قال النائب عن كتلة متحدون أحمد المساري، “هذا انتهاك للشرعية، ومخالفة للدستور، لن نعود إلا في حال عودة الشرعية”.

وفي المقابل قال النائب حيدر الكعبي أحد النواب المعتصمين داخل البرلمان وهو من الفريق المعارض للجبوري، “النصاب اكتمل والجلسة افتتحها الرئيس المؤقت عدنان الجنابي وفتح باب الترشيح الخميس”.

ويرى متابعون للشأن العراقي أن التركيز على الوضع القانوني لرئيس مجلس النواب المقال هو محاولة للهروب من الأزمة الحقيقية التي تتعلق بطبيعة وآليات الحكم.

وكان سليم الجبوري في منصبه رئيسا لمجلس النواب بمثابة صمام أمان لاستمرار حزب الدعوة الذي يقوده رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في السلطة، وهو ما كشف عنه مسعاه إلى إقرار التشكيلة الوزارية التي تقدم بها رئيس الوزراء حيدر العبادي.

وبحسب مراقب سياسي عراقي تحدث لـ“العرب”، فإن ما يخفيه النواب المعتصمون من أسباب اعتصامهم إنما يتعلق برغبتهم في إنهاء حكم حزب الدعوة من خلال شل قدرة العبادي على الحركة وذلك من خلال الامتناع عن إقرار تلك التشكيلة. وتعكس رغبة النواب تلك في حقيقتها موقف مختلف الكتل الحزبية، وبالأخص منها كتل التحالف الوطني وفي مقدمتها كتلتا الأحرار والمواطن اللتان لا يجمعهما شيء سوى الموقف المضاد لاستمرار حزب الدعوة في الحكم.

ويضيف ذات المراقب السياسي “ومن هذا المنطلق، فإن رفض العودة إلى مناقشة إقالة رئيس البرلمان يعتبر بالنسبة للنواب خطوة تضمن للمجلس قدرته على إفشال مساعي رئيس الـوزراء ومن ثم إجباره على الاستقالة”.

وكان رئيس الجمهورية فؤاد معصوم دعا إلى انعقاد الجلسة الاستثنائية للبرلمان لتطويق الخلافات.

وقالت مصادر عراقية إنّ المبادرة جاءت بدفع من جهود أميركية إيرانية مشتركة واتصالات شملت العديد من القادة السياسيين لحثّهم على “لملمة أزمة البرلمان” قبل أن تؤدّي إلى إسقاط العملية السياسية التي كانت انطلقت في العراق بتنسيق بين طهران وواشنطن بعد إسقاط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين. وبدا خلال الأيام الماضية أنّ أطرافا في العملية السياسية، ذاتها تعمل على تأجيج أزمة البرلمان للتهرب من الإصلاح كون قياداتها مورّطة في الفساد ومطلوبة للمحاسبة، وكون التعديل الحكومي يفقدها مواقعها في السلطة.

وحسب مراقبين، فإن الأزمة الراهنة، ساهمت في انكشاف الطبقة السياسية العراقية برمّتها أمام العراقيين، ما يرشّح الشارع العراقي لصيف أسخن من سابقه، خصوصا وأن أبسط المطالب التي فجرت احتجاجات الصيف الماضي، لم تتم الاستجابة لأبسطها مثل مطلب توفير الكهرباء على مدار الساعة.

3