موجة من التشدد الثقافي والإثني تضرب المنطقة القبائلية في الجزائر

يأتي الإعلان عن ميلاد حركة أمازيغية جديدة في الجزائر تحت مسمى “التجمع من أجل القبائل”، تطالب بمنح استقلال أكبر لمنطقة القبائل شرقي البلاد، ليزيد من تعقيدات الوضع المتأزم في البلاد، سواء على مستوى الأصوات الأمازيغية المتصاعدة طلبا للمزيد من الحريات والاعتراف بخصوصيتها، أو على مستوى الاحتجاجات في ذات المناطق وفي عموم البلاد، ضد البطالة وارتفاع الأسعار والعجز السياسي.
الثلاثاء 2017/03/07
طروحات السلط المتعاقبة ساهمت في تغذية غلو أنصار الأمازيغية

الجزائر – يحمل المجتمع الجزائري تعقيدات فرضتها الطبيعة الجغرافية والثقافية والإثنية للبلاد، وجعلتها التوجهات السياسية قنابل موقوتة، تنفجر من وقت لآخر، في شكل نزعات انفصالية. تطل هذه النزعة برأسها أساسا من منطقة القبائل، وهي إحدى أخطر الأزمات التي تواجه الجزائر، منذ سنوات، ولا تزال تتفاعل سياسيا واجتماعيا.

لم يعد خطاب السلطة المتمسك بنظرية المؤامرة الخارجية، كفيلا باحتواء مطلب داخلي يتغذى من أزمة هوية تعود جذورها إلى سنوات الحركة الوطنية في خمسينات القرن الماضي. ومؤخرا أطلت النزعة الانفصالية برأس جديد مع ميلاد حركة جديدة تدعى “التجمع من أجل القبائل”، تطالب بمنح استقلال أكبر لمنطقة القبائل شرقي البلاد.

جاء ميلاد هذه الحركة في إحدى أحرج الفترات التي تعيشها الدولة الجزائرية الحديثة، وسط احتقان سياسي، واحتجاجات شعبية على ارتفاع الأسعار وزيادة معدل التضخم، بالإضافة إلى حالة عدم الاستقرار بفعل ما يتم تداوله حول صحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

وقال حمو بومدين، منسق الحركة، في بيان له، إن “التجمع من أجل منطقة القبائل يتطلع لأن يكون فضاء يجمع كل منتسبي منطقة القبائل الذين يتقاسمون مشروع استقلال سياسي أوسع لمنطقة القبائل في جزائر متعددة وديمقراطية”.

ولئن لم تطالب هذه الحركة الجديدة بالانفصال التام عن الدولة المركزية، فإن هناك جهات أخرى على غرار “حركة استقلال القبائل”، بقيادة فرحات مهني، التي تطالب بالانفصال التام عن الجزائر.

ويقول المتابعون للشأن الجزائري إن مثل صدى هذه الأصوات، سواء المطالبة بحريات أكثر أو بالانفصال، يعلو أكثر فأكثر في ظل غياب شرعية التنوع الثقافي والعرقي وخشية السلطة من انفتاح ديمقراطي حقيقي على مختلف مكوّنات المجتمع الجزائر المتنوع.

مرّ بيان تنظيم “التجمع من أجل القبائل”، المعلن عنه خلال الأيام الأخيرة في عاصمة منطقة القبائل مدينة تيز وزو، بعيدا عن اهتمامات الدوائر السياسية والإعلامية، المنهكة بالحراك السياسي والحزبي، تحسبا لموعد الانتخابات التشريعية المقررة في الرابع من شهر مايو المقبل.

الدولة فشلت لحد الآن في بناء المواطنة والمواطن الوفي للدولة وليس الوفي لقبيلته وعشيرته وعصبيته

ورغم أهمية وحساسية الخطوة في مسار التحولات السياسية والاجتماعية في البلاد، مازالت صفة الفعل المعزول والمدفوع من أطراف خارجية، تلصق بالحراك الانفصالي في منطقة القبائل. ويستمر معها غياب الحلول العقلانية لاحتواء الشحن الأيديولوجي.

وجاء الإعلان عن التجمع من أجل القبائل، متجاوزا الطبقة السياسية المهيمنة على المنطقة (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية)، وفعاليات المجتمع المدني الناشطة هناك. وحمل اختيار المكان رسالة تاريخية، تعود إلى خمسينات القرن الماضي، لمّا احتجّت النخبة القبائلية على الرسالة التي توجه بها آنذاك المناضل التاريخي مصالي الحاج للأمم المتحدة، قائلا فيها عبارته المشهورة “الجزائر العربية”.

ومازلت المنطقة المعروفة بخصوصياتها الثقافية والسياسية المناهضة للسلطة منذ الاستقلال في يوليو 1962، تحت فراغ كبير، فلا السلطة استطاعت احتواء السقف السياسي المرتفع، ولا الطبقة السياسية أو المجتمع المدني المحلي، تمكنا من تفكيك مقاربة التشدد الثقافي والسياسي الآخذ في التصعيد.

ويقول الباحث والمؤرخ محمد أرزقي فراد، في تصريح لـ”العرب”، “تنطوي المبادرة على رسالة تاريخية تعود إلى خمسينات القرن الماضي، لمّا طالبت نخبة قبائلية اجتمعت في نفس القرية، التي أعلن فيها عن مبادرة التجمع من أجل القبائل، من قيادات أحزاب الحركة الوطنية آنذاك، فتح نقاش حول الهوية الوطنية، كرد فعل منها على رسالة مصالي”.

وأضاف أن “المطلب آنذاك انحصر في طلب دورة انعقاد دورة للجنة المركزية لحركة الانتصار والحريات الديمقراطية لمناقشة المسألة، إلا أنّ تسرع رشيد علي يحيى في فيدرالية فرنسا، أجهض المبادرة وسار بها إلى الأزمة المعروفة تاريخيا، وتم طرد العديد من مناضلي وكوادر المنطقة من الحركة”.

استقلال موسع

تسود المنطقية القبائلية موجة من التشدد الثقافي والإثني ترجمها تصاعد نشاط أنصار حركة استقلال القبائل في عدة مدن وبلدات، وصل حد إنزال الرايات الرسمية للدولة الجزائرية، ووضع الراية المحلية مكانها، فضلا عن مساعي منتسبيها لتكثيف حضورها في مختلف الفعاليات، من أجل لفت الرأي العام واستقطاب الأضواء، كما حدث مع الجنازة الشعبية لزعيم جبهة القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد مطلع العام الماضي.

القضية الأمازيغية هي قضية ديمقراطية وخلق أجواء الحوار والحرية، وما تعانيه المنطقة هو الاستبداد السياسي بالدرجة الأولى، وليس الوضع الاجتماعي أو اللغوي أو الثقافي

وترى الإعلامية زينة بن سعيد، في تصريح لـ”العرب”، أن “النزعة الأيديولوجية غطّت على المطالب الثقافية واللغوية، وما يوصف في السابق بـ(مطالب الهوية) لم يعد لها ما يبررها الآن، فاللغة والبعد الأمازيغي للشخصية الجزائرية يقعان في صلب دستور البلاد، والانصهار المستمر بين مختلف الأعراق احتوى كل الاختلافات”.

وأضافت أن “فكرة المشروع غير قابلة للتجسيد على أرض الواقع، ولذلك فإن دعاتها محدودي العدد والرؤية، ولا يمثلون المجتمع الأمازيغي أو القبائلي، فأنا قبائلية الأصل، إلا أنني لا أرى نفسي إلا في هذه الجزائر، بتعدد ثقافتها وأعراقها وتراثها، ولو منحت الفرصة للأهالي للتعبير عن موقفهم لظهر أن أصحاب المشروع لا يمثلون إلا أنفسهم”.

ويرى محمد أرزقي فراد، أن النزعة الانفصالية في الجزائرية مشروع زرعه الاستعمار الفرنسي ورعاه الاستبداد السياسي في البلاد، وكل توجه نحو الخروج عن الوحدة الوطنية هو “لعب بالنار”، لأن سايكس بيكو وجدت لتستمر وليس لمرحلة معينة.

ويقول إن “منظّر التبشير في الجزائر الفرنسي شارل لافيجري وظّف اللسان البربري منذ القرن التاسع عشر لإرساء مشروع دولة القبائل منذ السنوات الأولى للاستعمار، مستغلا الفوارق التراثية والثقافية واللغوية والنظام القبلي (تاجماعت)، إلا أنه اصطدم بصمود تيار (الأشراف والمرابطون) في منطقة القبائل المستند للانتماء الإسلامي، وهو ما دفعه فيما بعد إلى تفكيك وإزاحة مؤسسات الزوايا الدينية باعتبارها الخزان الأول لتيار المقاومة، وخلق مؤسسات التعليم الفرنسي، حيث كرّس نصفها في المنطقة، والنصف الباقي في ربوع البلاد الأخرى، الأمر الذي ساهم في تقلص تيار الأشراف والمرابطين، وظهور نخبة فرانكفونية جديدة تغذّت بالفكر الغربي وبظروف الهجرة المواتية”. ويضيف أنه “في مطلع الاستقلال وقع العامل الحاسم، الذي دفع بالوضع إلى التشدد والمغالاة، وهو استبداد السلطة، فبدل تثبيت التوجه الإصلاحي الذي نادت به جمعية العلماء وعدد من المثقفين والمفكرين آنذاك، تم تبنّي طرح مصالي الحاج من طرف الدولة وبعض المتنطعين العروبيين، فكان رد فعل المطلب الأمازيغي مزيدا من التشدد والعنف”.

ويخلص محمد أرزقي فراد إلى أن القضية الأمازيغية هي قضية ديمقراطية وخلق أجواء الحوار والحرية، وما تعانيه المنطقة هو الاستبداد السياسي بالدرجة الأولى، وليس الوضع الاجتماعي أو اللغوي أو الثقافي؛ وهو ما ذهبت إليه زينة بن سعيد مشيرة إلى أن “معظم الحضارات مرت على الجزائر، وكل واحدة تركت بصمتها، وإذا طالبت كل جهة أو فئة بالانفصال فإن ذلك سينهي الجزائر، ولا بديل في اعتقادي، عن فتح مجال الحريات من أجل إرساء ثقافة الحوار وتسيير التنوّع والاختلاف”.

احتواء المطالب

نوّهت حركة التجمع من أجل القبائل إلى أن أولويتها تكمن في “الحفاظ على هوية منطقة القبائل وترقية وتطوير اللغة والثقافة الأمازيغية، ورفض كل أشكال العنف وأنها تدرج نشاطاتها ضمن مواصلة نضالات الهوية والديمقراطية، قبل وبعد الربيع الأمازيغي في أبريل 1980.

وكانت السلطة الجزائرية رغم تردد الرئيس بوتفليقة في سنوات حكمه الأولى، من خلال تصريحه الشهير في مدينة تيزي وزو، “الأمازيغية لن تكون لغة وطنية”، قد أذعنت لضغوطات الحراك القبائلي منذ أحداث العنف التي شهدتها المنطقة في 2003، وأعلنت في تعديلين دستوريين: الأمازيغية لغة وطنية ثانية، والأمازيغية بعدا ثالثا للهوية المحلية.

وحول سؤال عن نظرية الأيدي الخارجية في استهداف وحدة البلاد واستقرارها، يقول محمد أرزقي فراد إن “ذهنية اليد الأجنبية أكبر أكذوبة ومخاتلة ومغالطة يمارسها المستبد، والعلاقات الدولية واضحة في هذا المجال، فنحن الذين نكوّن صمام الأمان ونحن الذين ندمر أنفسنا بأنفسنا”.

وأضاف أن “الاستبداد السياسي للسلطة كرّس ذهنية القبلية وتفريغ الانتخابات من محتواها، جعل من الدولة المركزية شرا لابد منه، وكل تفكير أو توجه نحو نظام فيدرالي أو استقلال ذاتي، هو مغامرة، أو كمن يعطي مسدس رشاش لمجنون، لأن الدولة فشلت لحد الآن في بناء المواطنة والمواطن الوفي للدولة، وليس الوفي لقبيلته وعشيرته وهويته”.

7