موجة نقابية صاعدة في وادي السيليكون.. صراع حول القيم

تاريخيا، لم تجد فكرة العمل النقابي صدى إيجابيا لها في عالم التكنولوجيا في الولايات المتحدة. ويتذبذب موقف عمالقة وادي السيليكون تجاه الاتحاد النقابي بين الازدراء والعداء المباشر.
الثلاثاء 2018/05/01
عمالقة التكنولوجيا يدللون موظفيهم لاتقاء شر اضراباتهم

سان فرانسيسكو - مع ارتفاع إيراداتهم وكثافة الطلب على خدماتهم، قد لا يبدو أخصائيو المعلوماتية في وادي السيليكون بحاجة إلى الانضواء في نقابات… لكنهم باتوا يفعلون ذلك، وإن بوتيرة خجولة.

في يناير 2018، جرى الاستغناء عن خدمات مهندس البرمجيات بيورن ويسترغارد مع نحو اثني عشر زميلا له في شركة لانيتيكس الناشئة المتخصصة في البرمجيات، وذلك بحجة عصر النفقات. غير أن الموظفين المطرودين يتحدثون عن سبب مختلف تماما يتعلق بمحاولتهم تأسيس فرع نقابي للتصدي لإدارة مشكوك في نزاهتها.

وحصلت عمليات الطرد بعد “بضعة أيام” من إرسالهم طلب انضمام إلى نقابة العاملين في قطاع الاتصالات في الولايات المتحدة، حسب توضيح ويسترغارد في تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس. ويقول “أظن أنها المرة الأولى التي اعتمد فيها مهندسو معلوماتية عاملون في شركة للتكنولوجيا هذه الخطوة”، مشيرا إلى أن العاملين في قطاع التكنولوجيا ليسوا تقليدا من الناشطين في العمل النقابي خلافا لما هو الوضع مع القطاعين الصناعي والتعليمي.

 

نادرا ما عرف عن شركات التكنولوجيا ميلها إلى العمل النقابي مقارنة بمجالات عمالية أخرى، في القطاعين الصناعي والتعليمي يبدو أنه لا يوجد سبب يدفع المهندسين الذين يتقاضون أجورا مرتفعة ويحصلون على امتيازات عالية، إلى توحيد القوى في النقابات العمالية. لكن الحقيقة التي تختفي وراء تلك الصورة البراقة لعمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون تقول عكس ذلك، حيث ترتفع الأصوات منادية، في الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن نهاية عصر النقابات، بإنشاء فروع نقابية لهذه الشركات التي تصدر للعالم الذكاء الاصطناعي وتعمل على تطوير الروبوتات العاملة لتعوض الكثير من الموظفين.

ويلفت ويسترغارد إلى أنه “ليس من الصعب إيجاد وظيفة في قطاع التكنولوجيا والرواتب جيدة لذا ثمة فكرة مفادها أنه عندما تواجهون مشكلة بإمكانكم مغادرة الشركة التي تعملون فيها وإيجاد وظيفة أخرى”. لكنه يسأل “هل من الصعب حل المشكلة داخل الشركة؟”.

تاريخيا، لم تجد فكرة العمل النقابي صدى إيجابيا لها في عالم التكنولوجيا في الولايات المتحدة. ويتذبذب موقف عمالقة وادي السيليكون تجاه الاتحاد النقابي بين الازدراء والعداء المباشر.

ويقول أستاذ الحقوق في جامعة ستانفورد وليام غولد في تصريحات أوردتها سان فرانسيسكو كرونيكل “عموما، أصحاب العمل في وادي السيليكون مناوئون بشدة لفكرة العمل النقابي”.

وتُعرف الشركات الكبرى في القطاع مثل فيسبوك وغوغل بأنها تدلل مهندسيها عبر منحهم رواتب مرتفعة وخدمات تأمين صحي عالية الجودة فضلا عن ميزات مهمة أخرى كإمكان تناول الطعام بحسب الرغبة واستخدام الدراجات الهوائية والتمتع بحصص للرقص وركوب حافلات مخصصة لهم. وبالتالي لا يوجد ما يمكن أن يثير رغبة هؤلاء في الإضراب.

وكان الراحل روبرت نويس، الشريك المؤسس لشركة إنتل، علق في رد على دور النقابات، قائلا “إن عدم وجود اتحاد نقابي أمر ضروري لضمان بقاء معظم شركاتنا. إذا كانت لدينا قواعد العمل التي تمتلكها الشركات النقابية، فسنجد أنفسنا خارج سوق العمل”.

ويوضح ديفيد جاد، من منظمة تك ووركرز كواليشن، التي تساعد الموظفين في القطاع دون أن تشكل نقابة بالمعنى الرسمي للكلمة، أن أصحاب الشركات في قطاع التكنولوجيا “يعملون وفق عقيدة قائمة على فلسفة الحرية تعتبر أن النقابات عائق أمام التقدم، وهي عقيدة تلبي مصالحهم الاقتصادية”.

وذكرت مجلة تايم في 2014 أن أمازون بذلت قصارى جهدها لمنع موظفي المستودعات لديها من تنظيم صفوفهم في إطار نقابات، مشددة على أهمية “العلاقة المباشرة” بين الإدارة والموظفين.

وأشارت منظمة تك ووركرز كواليشن إلى أن نشاط موظفي لانيتيكس يجسد حالة إدراك مسجلة في قطاع التكنولوجيا الذي يشعر موظفوه بأنهم يبتعدون بشكل متزايد عن باقي فئات المجتمع، نظرا إلى الأهمية المتنامية للتكنولوجيا في الحياة اليومية للجميع. ويوضح ديفيد جاد أن “موجة نقابية سجلت في السنوات الأخيرة في صفوف الموظفين لدى شركات متعهدة” تنظف مباني آبل أو تدير الكافيتيريا في فيسبوك.

شي أونوراه: جميع العمال بحاجة إلى نقابات بمن في ذلك مهندسو وادي السيليكون
شي أونوراه: جميع العمال بحاجة إلى نقابات بمن في ذلك مهندسو وادي السيليكون

 أما من ناحية الخبراء في المعلوماتية، فلا تزال مستويات الانضمام إلى النقابات “ضئيلة رسميا بين ‘مهندسي البرمجيات’ وغيرهم من الموظفين في شركات التكنولوجيا الأميركية، لكن ثمة اهتماما لدى موظفي القطاع بتنظيم صفوفهم”، بحسب جاد.

ويلفت جاد إلى أن “دوامات العمل قد تكون مضنية بحجة أن الشركة تغيّر العالم” وفق الشعارات الرائجة في قطاع التكنولوجيا.

يشاطره في هذا الرأي ديفيد بايكون، وهو كاتب ومصور متخصص في النقابات، كما أنه نقابي أيضا طُرد في 1982 من مصنع ناشونال سيميكونداكتر للمكونات الصناعية بسبب نشاطه النقابي.

ويقول بايكون “ثمة نشاط كبير في صفوف الموظفين الذين يعملون لحساب المواقع الإلكترونية أو وسائل الإعلام الرقمية والذين يحاولون تنظيم صفوفهم”، مقارنا ما يحصل لدى لانيتيكس بما شهد عليه لدى موظفي مصنع الإلكترونيات قبل أربعة عقود.وثمة عامل آخر تعزز منذ انتخاب الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، يتمثل في رغبة الموظفين في الدفاع عن “القيم”.

وفي سنة 2017 حفزت معارضة العاملين في مجال التكنولوجيا لأجندة ترامب، وخاصة تلميحه إلى بناء قاعدة بيانات للمسلمين في الولايات المتحدة، على قيام حركة منظمة كوسيلة لإيصال رسالتهم إلى غرف مجلس إدارة وادي السيليكون، وقد ساعدتهم مؤسسة تيك سوليداريتي، وهي منظمة شعبية تضم موظفي وعمال التكنولوجيا، تأسست في نوفمبر 2016، على تحقيق أهدافهم الأساسية.

ويقول مؤسس هذه المنظمة، ماكيج سيغلوفسكي، إن “هدفنا إثارة رد الفعل الجماعي من قبل الموظفين”، مؤكدا على أن قدرة الموظفين على الاستقالة والتقدم إلى وظيفة من بين 223 ألف وظيفة شاغرة لمهندسي البرمجيات في الولايات المتحدة هما أقوى سلاح يمكن للموظفين استخدامه ضد الشركات المتعاونة مع سياسات حكومية مريبة بدءا من الهجرة وصولا إلى نظام الإشراف والمراقبة.

ويؤيد ذلك ديفيد جاد بقوله “لا نريد أن يتمكن أصحاب العمل من تطوير أدوات مراقبة لترامب ضد زملائنا وجيراننا أو أن يحتالوا على مستخدميهم عبر بيع بياناتهم أو من خلال تجاهل مشكلات الأمن أو عبر التلاعب بالمضامين”، وكلها مآخذ على شركات التكنولوجيا خصوصا فيسبوك.

7