موجز، وللحديث بقية

السبت 2014/08/16

عاش الملك.. مات الملك، ارتفعت درجات الحرارة، انقطعت وصلات الكهرباء، توقفت الحرب، وصلت المساعدات، انخفض سعر الباذنجان، انتهى حر الصيف، انقطع حبل الود، تعثرت المفاوضات، تقلص زحف المجاري، استيقظت الخلايا الإرهابية من نومها، قفزت أسعار الغاز، انفرط عقد المحبة، توقف سيل الدماء، اجتمع البرلمان، اندلقت القهوة، انخفض منسوب الصداقة، رحل الولد العنيد، تقلص سعر الدولار، تضاعف حجم الكراهية، ماتت الصبيّة الحنونة، اتسع مسار الحوار، استقرت أسعار العقارات، انهار جبل الحقيقة، تراجعت لغة التهديد، انتعشت السوق السوداء، انقطع حبل الغسيل السياسي، رجع الموت خائباً، ابتسمت السماء، غضب القمر.

كل شيء حاضر في أحاديث الشارع، إلا هؤلاء الذين يتركون ظلهم في حر الظهيرة ليطاردوا خيوطاً من وهم.

(خطية) هم أولئك المنتظرون خلف أبواب الأمل منذ الأزل، عسى أن يفتح لهم حاجب أعرج أو أعور أو فاقد للذاكرة، (خطية) هؤلاء الذين يتجمعون مثل كومة من ذباب على فتات العيش المنثور على شرفات الساسة، فلا يجدون غير أطراف الكلام، (خطية) أولئك الذين قطعوا الشك باليقين وودعوا سنين العمر وحسرة الفاقة تمسك بتلابيب أرواحهم، (خطية) أولئك الذين عبروا المجهول إلى الضفة الأخرى من الوطن فلم يجدوا غير شوارع قذرة يمسحون بلاطها، (خطية) أولئك الذين جمعوا القرش فوق القرش والفلس فوق الفلس والهم فوق الهم، ليصنعوا منه عشاً لصغار داستهم دبابات الموت، (خطية) أولئك الذين قيل لهم انتشروا في أرض الله الواسعة ولا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة، فتقطعت بهم السبل وارتدى رحيلهم وجه الرجوع.

و(خطية) أولئك الذين طلبوا المجد فسهروا الليالي حتى تورمت أحداقهم، لتذهب سنوات العمر أوراقاً صفراء تناثرت وسط الركام وتحت الأنقاض في وطن آيل إلى السقوط في كل لحظة، (خطية) أولئك الذين زرعوا الفرحة في قلوب الآخرين فلم يحصدوا غير سهام الحزن والكدر والغدر. (خطية) أمهاتنا الجميلات اللواتي رسمن رماد الأسى فوق أحداقهن وتجملن بالسواد ليودعن أبناءً وسماء إلى ساحات الموت ويستقبلن رفاتهم (بالآه والونّة).

(خطية) آباؤنا الذين قطعوا رحلة العمر لاهثين خلف لقمة العيش فتعثروا بالسرّاق وأصحاب الأبواب الموصدة، (خطية) وطني الجميل الذي عمّد أبناءه برحيق الخلود، فتركوه نهباً للضياع والنسيان والأيدي الغريبة تعبث بنفائسه، (خطية) مدرس التاريخ في مدرستي العتيقة الذي لم يمت بالسيف ومات بغيره، (خطية) بائع الخبز في القرية النائية الذي مات من الجوع ولم يجد فتاتا في تنور داره، (خطية) ساعي البريد الذي أوصل جميع رسائل المدينة ونسي أن يرسل باقة ورد إلى قبره البعيد حيث لا شارة تعلمّه ولا دليل، (خطية) موظف الإعلانات في الجريدة الذي لم يعرف كيف يكتب خبر نعيه بحروف واضحة فتركه ملطخاً بسواد الحبر، (خطية) رسام الكاريكاتير الذي أدين بالجرم المشهود، فرسموا أفكاره على عجل وقطعوا عليه سبيل الابتسامة.

وللحديث بقية من (خطية).

21