مودي العدو أم مودي الصديق

ازدواجية الموقف السمة الغالبة على تيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان القادرة على أن تتخذ الموقف ونقيضه، وفق تحالفاتها ومصالحها وحساباتها السياسية التي عادة ما تثبت عقمها.
الجمعة 2019/09/27
الخطاب الإخواني يستمر في سجل الازدواجية المفضوحة

تعتمد قطر والإخوان لغة مزدوجة في الترويج للمشروع السياسي للإسلاميين لا صلة له بالمواقف الثابتة والمبادئ الأصيلة وإنما بالمصالح والتحالفات والحسابات السياسية، وهي لغة ليست بجديدة عن كليهما، بل إن تاريخهما المشترك يكشف عن ثبات هذا المنهج في التعامل مع جل القضايا، الذي تحولت معه مختلف وسائل الإعلام التابعة لهما إلى آلة لتوليد الأكاذيب، وقد برز الأمر جليا في النظرة المزدوجة لزيارة رئيس الوزراء الهندي إلى منطقة الخليج.

 تمثل ازدواجية الموقف السمة الغالبة على تيارات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان القادرة على أن تتخذ الموقف ونقيضه، وفق تحالفاتها ومصالحها وحساباتها السياسية التي عادة ما تثبت عقمها، لتتحول في مناسبات عدة إلى مصدر للتندر، كما حدث في حالة العلاقات العربية الخليجية بالهند.

الاثنين، أورد الإعلام القطري أن “الشيخ تميم  بن حمد الثاني بحث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي العلاقات الثنائية بين البلدين وأوجه تطويرها في مختلف جوانب التعاون، لاسيما السياسي والاقتصادي” وأن “أمير دولة قطر ورئيس الوزراء الهندي تبادلا في مقر الوفد القطري بنيويورك الآراء بشأن تطورات الأوضاع في المنطقة”.

هذا الخبر نظر إليه الإخوان من وجهتي نظر تصبان في حالة التناقض التي يعيشون على إيقاعها، الأولى كانت ترى في الاجتماع اختراقا مهما من قبل قطر للسياسات الهندية وكسرا لمقاطعة السعودية والإمارات والبحرين ومصر لها، وتوطيدا للعلاقات مع بلد قوي وصاعد ومؤثر في منطقة من العالم.

وفي المقابل تعمدت وجهة النظر الثانية تجاهل الخبر، وعدم التعليق عليه، تجنبا للمزيد من الحرج الذي تواجهه الجماعة وحلفاؤها بسبب حالة الازدواجية الواضحة في المواقف حيث تبيح للدوحة ما تحرمه على غيرها، وتعتبر أن كل ما تقوم به يصب في خدمة الإسلام والمسلمين وما يأتي من غيره تآمر على الأمة وقضاياها.

تتجلى هذه الازدواجية واضحة من خلال الحملة الإعلامية التي صدحت بها أبواق الإخوان ضد السعودية والإمارات ردا على استقبالهما رئيس الوزراء الهندي. اختارت تلك الحملة ربط اللقاء بالوضع في إقليم جامو وكشمير محل الصراع بين الهند وباكستان، والترويج لها على أنها ابتزاز لعواطف المسلمين، والادعاء بأن الرياض وأبوظبي “تدعمان الموقف الهندي على حساب دولة باكستان المسلمة”.

وكعادة غرفة العمليات الإخوانية تم اعتماد هاشتاغ على موقع تويتر للتنديد باستقبال الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي لرئيس الوزراء الهندي، ومنحه وساما رفيعا.

وجاء في تقرير لقناة الجزيرة أنه “مع تواصل الغضب في إقليم جامو وكشمير بشطريه الهندي والباكستاني كان لافتا تفاعل رواد المنصات مع صور تكريم ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي عده كثيرون تكريما على أنقاض حرية سكان الإقليم، وجائزة لرجل وصفه بعضهم بـ”العقل المدبر للقرار”، وبـ”مضطهد المسلمين”.

من الطبيعي جدا بالنسبة إلى الإخوان أن تبحث قطر عن مصالحها مع الهند أو حتى مع إسرائيل، ومن العادي أن يستقبل الشيخ تميم رئيس الوزراء الهندي ويتطرق معه إلى مجمل القضايا ما عدا قضية كشمير، في حين من غير المقبول أن تكرم الإمارات ضيفها الهندي الذي تربطها ببلاده علاقات تاريخية واستراتيجية 

وفي المقابل اكتفت تغطية وكالة الأنباء القطرية لخبر لقاء أمير قطر برئيس وزراء الهند بالقول إن “الشيخ تميم بن حمد استقبل ناريندرا مودي والوفد المرافق بمقر الوفد الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وذلك على هامش انعقاد الدورة الرابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتناولت المقابلة العلاقات الثنائية بين البلدين، وأوجه تطويرها في مختلف جوانب التعاون، لاسيما السياسي والاقتصادي وبما يخدم مصالح الشعبين الصديقين”.

ومن الطبيعي جدا بالنسبة إلى الإخوان أن تبحث قطر عن مصالحها مع الهند أو حتى مع إسرائيل، ومن العادي أن يستقبل الشيخ تميم رئيس الوزراء الهندي ويتطرق معه إلى مجمل القضايا ما عدا قضية كشمير، في حين من غير المقبول أن تكرم الإمارات ضيفها الهندي الذي تربطها ببلاده علاقات تاريخية واستراتيجية تتجاوز بكثير مستوى العلاقات بين الهند وقطر.

وبديهي بالنسبة إليهم أن تستقبل الدوحة خلال العام الحالي الموسم الثقافي الهندي، وأن ترحب بعراقة التراث والفنون والإبداعات الهندية، لكن من المنكر أن يقلد ولي عهد أبوظبي رئيس وزراء الهند بوسام الشيخ زايد، دليلا على عمق العلاقات.

لكن العارف بطبيعة الإخوان وحلفائهم يعلم جيّدا أن كل الغاية من هذا التشويه هي أنه من غير المرحب به أن تكون الرياض وأبوظبي في مقدمة الباحثين عن حل سياسي ودبلوماسي للأزمة بين الهند وباكستان بما يضمن الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو أمر ولئن تحققت خطوة إيجابية فيه سيدعم أدوارهما كقوتين إقليميتين.

يعود نزاع كشمير إلى العام 1947 بعد انفصال باكستان عن الهند. ولم يرد يوما خبر يفيد بأن قطر قطعت علاقاتها مع نيودلهي بسببه، بل كانت كثيرا ما تستقبل كبار المسؤولين الهنود، ومن بينهم مودي الذي استقبلته الدوحة بترحاب كبير في يونيو 2016.

لم تعلُ يومئذ أصوات تنتقد استقبال “رئيس الوزراء الهندوسي” والاحتفاء به. لكن عندما يزور مودي عاصمة أخرى غير حليفة أو مقاطعة فإن الموقف يختلف، وتنطلق الأبواق في شن حملات الدعاية المغرضة التي لم يعد يهم الواقفين وراءها إلا التكثيف، فكل كذبة بالنسبة إليهم تجر وراءها كذبة، وكل موقف عدائي يحتاج موقفا أكثر عدائية لدعمه وتأكيد حججه الواهية.

13