مورو ينزع قناع "الخداع" عن المناورات السياسية للغنوشي

قوبل قرار حركة النهضة الاسلامية بفصل الدعوي عن السياسي خلال مؤتمرها العاشر الذي عقد الشهر الماضي بكثير من الانتقاد من قبل خصومها الذين اعتبروه لايعدو إلا أن يكون صخبا اعلاميا يبقى تطبيقه بعيدا عن الواقع .وهو الأمر الذي جاءت تصريحات القيادي البارز في الحركة عبدالفتاح مورو لتؤكده .
الأربعاء 2016/06/01
المراوغة طريق الحركة للنجاح

تونس- لم تكد تمضي عشرة أيام فقط على “القنبلة” السياسية التي فجرها المؤتمر العاشر لحركة النهضة التونسية برئاسة راشد الغنوشي، بقراره الفصل بين النشاط السياسي لهذه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، وعملها الدعوي، حتى اتضح للجميع أنها ليست سوى قنبلة صوتية في سياق مناورة من جملة المناورات السياسية التي يُحاول الغنوشي التلون بها والاختباء وراءها في عملية خداع ممنهجة.

ويبدو أن هذه القنبلة التي استطاع الغنوشي من خلالها صم آذان الرأي العام المحلي والدولي، خلال الأسبوع الماضي، لم تصمد طويلا، حيث بدأ صداها يتلاشى تدريجيا على وقع تصريحات نائبه عبدالفتاح مورو الذي كشف حقيقة وأبعاد ذلك القرار “القنبلة”، لينزع بذلك قناع الخداع السياسي الذي كاد أن ينطلي على البعض من الذين “باركوا تحولها التاريخي”.

ففي لحظة سياسية فارقة، نسف عبدالفتاح مورو الذي يُعتبر الرجل الثاني في حركة النهضة الإسلامية، آثار تلك القنبلة الصوتية، بتأكيده في تصريحات نُشرت الثلاثاء، على أن حركة النهضة “لن تغيّر جلدها”، وهي باقية على مرجعيتها الإسلامية، واصفا في نفس الوقت قرار فصل السياسي عن الدعوي الذي أثار جدلا واسعا بـ”الحدث الذي حُمّل أكثر من اللزوم”.

وقال مورو الذي يتولى حاليا منصب نائب أول لرئيس البرلمان التونسي، حول النتائج التي خلص إليها المؤتمر العاشر لحركة النهضة، والتي أثارت لغطا في تونس وخارجها، إن “الحدث حُمّل أكثر من اللزوم”، وذلك في إشارة إلى القرار المتعلق بفصل النشاط السياسي لحركته عن نشاطها الدعوي.

وخلافا لما سعى الغنوشي إلى ترويجه، أكد عبدالفتاح مورو في تصريحاته التي نشرتها صحيفة “الشروق” الجزائرية، أن المؤتمر العاشر “كرّس التمايز الوظيفي لا أكثر، دون التخلي عن الدور الدعوي أو الاجتماعي”.

وتابع أن حركته “ستنظر مستقبلا في طبيعة العلاقة مع تلك الأذرع وفق الصيغة الطبيعية المناسبة، بين الإلحاق والاستقلالية أو الدمج بينهما”، ليتضح من خلال ذلك أن مسلسل المناورات السياسية لحركة النهضة لم تنته فصوله.

ولم يُفاجئ مثل هذا الموقف المتابعين لمسيرة حركة النهضة الإسلامية، التي عادة ما تُوصف بأنها تمارس ازدواجية الخطاب، حيث اعتبر الدكتور علية العلاني الخبير في الجماعات الإسلامية، أن هذا الموقف وما رافقه من تصريحات متتالية لعدد آخر من قادة حركة النهضة حول ضرورة “التلازم بين الديني والسياسي في إستراتيجية هذه الحركة الإسلامية، يؤكد أن حركة النهضة لا تزال جزءا من منظومة الإسلام السياسي الإخواني”.

علية العلاني: التمسك بالتلازم بين الديني والسياسي من ثوابت النهضة

وقال لـ”العرب”، إن خطاب حركة النهضة بعد مؤتمرها العاشر “تغير في الشكل ولكنه لم يتغير في المضمون”، مشددا في هذا السياق على أن فصل الدعوي عن السياسي لا يعني أبدا فصل الدين عن السياسة، وهو أمر أكده عدد من قادة حركة النهضة تولوا حقائب وزارية في حكومتي الترويكا.

وحذر علية العلاني في تصريحه لـ”العرب” من الاستمرار في الخلط بين السياسي والديني، قائلا إن “خلط الدين بالسياسة في أي عمل حزبي ينزع عنه صفة المدنية والديمقراطية لسبب بسيط هو أن المدنية والديمقراطية خطابان نسبيان، بينما المرجعية الدينية لأي حزب تتحول إلى بعد أيديولوجي مطلق، وبالتالي لا يمكن الجمع بين النسبي والمطلق في أي عمل سياسي”.

ويرى مراقبون أن ما ذهب إليه الرجل الثاني في حركة النهضة الإسلامية عبدالفتاح مورو، من شرح لحقيقة قرار حركته الفصل بين الدعوي والسياسي، يُسقط القناع الأخير من جملة الأقنعة السياسية التى حاولت هذه الحركة ورئيسها راشد الغنوشي استخدامها لتقديم صورة مغايرة لحقيقة نواياها وتوجهاتها.

وكانت حركة النهضة قد قررت خلال مؤتمرها العاشر الذي انتهت أعماله قبل عشرة أيام، الفصل بين نشاطها الدعوي والسياسي، تحت مسميات وعناوين مختلفة أبرزها التأقلم مع تطورات المشهد السياسي في البلاد، والنأي بنفسها عن الإسلام السياسي. غير أن عملية التسويق الإعلامي والسياسي لهذا القرار الذي مهد له رئيس هذه الحركة الإسلامية راشد الغنوشي بتصريحات ومواقف تتالت تباعا قبل هذا المؤتمر، نجحت إلى حد ما في إضفاء نوع من الضبابية لدى البعض، ولكنها لم تُفلح في إزالة شكوك العديد من القوى السياسية التونسية، التي رأت في القرار المذكور “مناورة” لأنه لم يأت كنتيجة لمراجعات فكرية جدية، وإنما أسقط وفُرض على المؤتمر العاشر في سياق عملية سياسية تنطوي على “مراوغات” بهدف التماهي مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.

وشكك العديد من السياسيين التونسيين في جدية ذلك القرار وأبعاده، حتى أن محسن مرزوق المنسق العام لحركة “مشروع تونس”، لم يتردد في القول “شخصيا لم أر فصلا على مستوى الوجوه أو الاختيارات السياسية أو تخصصا على مستوى الاستراتيجيات، بل تأكيدا على جانب الإسلام السياسي بالإبقاء على نفس التمشي داخل نفس الجماعة”.

وفيما تُرجح الأوساط السياسية التونسية أن تفتح تصريحات عبدالفتاح مورو الباب أمام جدل جديد حول ذلك القرار قد يتسبب في تصدعات وارتباك داخل هذه الحركة، تتراكم المعطيات الدالة على رفض المجتمع التونسي للإسلام السياسي، ومخرجاته، وبالتالي ما على الغنوشي سوى الابتعاد عن المناورات السياسية، والذهاب مباشرة نحو “الفصل الجاد والحقيقي بين السياسي والديني”.

4