موريتانيا.. أزمات حادة مترابطة والحل الشامل غائب

السبت 2015/04/25
الظروف المزرية التي يعيشها الموريتانيون نتاج لحالة العطالة السياسية

نواكشوط- تعيش موريتانيا على وقع أزمات متعدّدة تتراوح بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ينعكس تفاقمها وتعقّدها بشكل مستمر على أوضاع المواطنين، في ظل عجز المبادرات الحكومية التي تستهدف مواجهة الأوضاع المعيشية الصعبة للمواطنين، والتي يراها محللون وسياسيون موريتانيون متواضعة جدا ولا ترقى إلى مستوى إيجاد حلول فعلية للأزمة السياسية التي بدأت تتخذ بعدا شموليا.

نظرا لترابط الأزمات التي تشهدها البلاد بعضها ببعض، وتأثير إحداها في الأخرى، يبدو أنّ الحل الذي من شأنه تخفيف حدة الاحتقان والتململ التي تسود فئات عديدة من المجتمع الموريتاني، لا يمكن أن يمر أوّلا سوى من بوابة إيجاد حلول للأزمة السياسة القائمة بين السلطة والمعارضة، مما يسمح لاحقا بتهيئة مناخ يخول للقائمين على صياغة السياسات الموريتانية إيجاد حلول فعلية وناجعة لكل ما هو اقتصادي واجتماعي.

وقد كانت فكرة الحوار بين السلطة والمعارضة، التي شغلت الرأي العام الموريتاني طيلة الأسابيع القليلة الماضية، أحد الحلول التي علق عليها الموريتانيون آمالا كبيرة للحدّ من ضائقتهم والخروج بالبلاد من الأزمة السياسية الخانقة التي انعكست سلبا على جلّ الجوانب الحياتية، غير أنّ التراجع الذي بدا يخيّم بظلاله على فكرة الحوار، مؤخرا، أضحى يهدد تلك الآمال والتطلعات ويزيد من حالة الضبابية التي يصطبغ بها المشهد الموريتاني عموما.

وفي ما يتعلق بالأسباب الكامنة وراء هذا التراجع، الذي تبرز تجلياته يوما بعد آخر، يرى خبراء موريتانيون، أنّها مرتبطة بمسار الأحداث السياسية الجارية في هذا البلد العربي الذي يقطنه أكثر من 3.5 مليون نسمة، ويعاني أزمة اقتصادية خانقة ومشاكل اجتماعية متعددة أبرزها على الإطلاق ما يتعلق بمشكلة الرّق، وتنامي نفوذ الجماعات الإرهابية في صحرائه.

موريتانيا تعاني أزمة اقتصادية خانقة ومشاكل اجتماعية متعددة أبرزها على الإطلاق ما يتعلق بمشكلة الرق

تعثر عملية الحوار

يعزو الخبراء عدم انطلاق الحوار بين السلطة والمعارضة إلى خمسة أسباب تتعلق في مجملها بـ: تحرّكات انتخابية وتصريح مثير للجدل أطلقه الرئيس محمد ولد عبدالعزيز، واعتراض حكومي على الأسماء المقترحة لتمثيل المعارضة في الحوار المرتقب، مقابل إصرار المعارضة على الحصول على ضمانات وتوسيع دائرة المشاركين في الحوار.

وكانت أطياف واسعة من المعارضة قد قاطعت الانتخابات الرئاسية، التي جرت في يونيو 2014 وفاز فيها ولد عبدالعزيز بعهدة رئاسية ثانية، احتجاجا على رفض السلطات الاستجابة لبعض الشروط المتعلقة بالإشراف السياسي على الانتخابات، وحياد الجيش والأجهزة الأمنية، وإعادة النظر في مهام وعمل الوكالة المسؤولة عن الوثائق المدنية، والمجلس الدستوري الذي يعد الحكم في قضايا الانتخابات.

وبعد الانتخابات وفي ظل تواصل الاحتجاجات، تقدّمت الحكومة إلى أحزاب المعارضة بوثيقة تتضمّن عرضا لوجهة نظرها حول موضوع الحوار لتجاوز الأزمة السياسية القائمة في البلاد.

وتعدّ تلك الوثيقة في نظر الحكومة بمثابة أرضية ومسوّدة للحوار، وتتألف من 15 نقطة، من بينها: بناء الثقة بين السلطة والمعارضة، إجراء انتخابات برلمانية وبلدية توافقية، منع تدخل الجيش في الأنشطة السياسية، محاربة الفساد، تحقيق الشفافية في تسيير المال العام، وتعديل السن القانونية للترشح لمنصب رئيس البلاد التي ينص الدستور على أنّها محصورة بين 40 و75 سنة.

لكن “المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة”، المعارض، تحفّظ على بعض نقاط مسوّدة الحوار، لاسيما تلك المتعلقة بتعديل السنّ القانونية للترشح للرئاسية، معتبرا أنّ ذلك فيه مساس بالدستور، الذي يجب عدم تعديله، حسب بيان أصدره في وقت سابق.

وتقدّم المنتدى على إثر ذلك بعدة شروط تمهيدية للدخول في حوار مع الحكومة، من أهمها: ضرورة البدء بحكومة توافقية كشرط أولي للدخول في أي حوار “جدي” مع السلطات، وعدم المساس بالدستور، وحل كتيبة الحرس الرئاسي، وإعلان الرئيس عن ممتلكاته الخاصة، ووضع مؤسسات انتخابية ذات مصداقية تضمن حياد الإدارة (السلطة) على مستوى التحضير، وتعيين شخصيات تحظى بثقة الجميع على هذه المؤسسات.

آلاف الموريتانيين يتظاهرون ضد تردي الظروف المعيشية

ويعود تمسّك المنتدى بعدم تعديل الدستور إلى أحاديث متداولة بين الموريتانيين عن اعتزام ولد عبدالعزيز، وهو سادس رئيس عسكري لموريتانيا، البقاء في السلطة، وسعيه إلى طرح اقتراح عدم تقييد عدد ولايات الرئاسة للاستفتاء الشعبي، في حال رفض المعارضة لهذه الفكرة أثناء الحوار المرتقب، حيث تنص المادة 29 من الدستور على أنّه “يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرّة واحدة”.

وبناء على هذه الأسباب تعثّرت عملية إطلاق الحوار، وهو التعثر الذي أوضح الكاتب السياسي الموريتاني، محمد ولد شين، أنّ له أسبابا أخرى من بينها “ما تمّ تسريبه، مؤخرا، حول اعتراض ممثل الحكومة في الحوار (مولاي ولد محمد لغظف) على تمثيل المعارضة، وذلك باعتبار الشخصيات التي تمّ انتدابها من جهة المعارضة لا تمثل الكتل القوية في المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة”.

وأضاف ولد شين، أنّ “هنالك أسبابا أخرى لحالة التّعثر التي أصابت انطلاق الحوار السياسي، منها إصرار المعارضة على الحصول على ضمانات حقيقية للحوار من طرف الحكومة، وانشغالات الرئيس ولد عبدالعزيز وسفراته الداخلية”.

ويعتبر مراقبون أنّ زيارات ولد عبدالعزيز لبعض المحافظات الموريتانية تأتي ضمن حملة انتخابية رئاسية سابقة لأوانها، وهو أمر لا يدعم روح الحوار الذي كانت تتطلع إليه النخب السياسية والرأي العام، وتعدّ قضية ترشح ولد عبدالعزيز لولاية رئاسية جديدة على رأس أولوياته، لا سيما وأنّ الدستور لا يسمح له بإعادة الترشح.

مناورات سياسية

الخبير السياسي الموريتاني، محمد ولد محفوظ، يرى من جهته أنّ “تصريحات الرئيس الأخيرة حول الحوار ساهمت كثيرا في وأد روح الحماس لدى المتطلعين إلى مناخ سياسي جديد، وهي تصريحات دفعت بقوى المعارضة إلى التّشبث بمطلبها المتعلق بضمانات أولية للدخول في حوار سياسي”.

وقد اعتبر ولد عبدالعزيز، في تصريحه المثير للجدل، أنّ “دخول المعارضة في حوار سياسي مع النّظام يجب ألاّ يكون مشروطا بممهدات قبلية، لأنّ وضع شروط مسبقة هو بمثابة محاولة لإفشال الحوار”.

ولا يستبعد ولد محفوظ، أن يكون “من بين الأسباب المعيقة لتقدم مسيرة الحوار السياسي هو سعي المنتدى الوطني إلى توسيع دائرة المتحاورين، استنادا إلى تصريحات أخيرة للأمين الدائم للمنتدى، محمد فال ولد بلال، قال فيها إن “دائرة المعارضة المتحاورة مع النظام يجب أن تتسع أكثر”، في إشارة إلى الرغبة في إشراك كتلة “المعاهدة من أجل التناوب السلمي على السلطة” في الحوار السياسي المرتقب.

وقد دخلت هذه الكتلة السياسية، التي تتبنى معارضة مرنة للنظام الحاكم في موريتانيا، في حوار مع النظام عام 2011، لكن لم يفض ذاك الحوار حينها إلى جديد.

علي ولد محمد فال: استعداد النظام للحوار يبقى في حدود المناورة السياسية ومحاولة شق الصف المعارض

وتدعم أطراف ذات ثقل في “المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة”، مثل حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (محسوب على جماعة الإخوان المسلمين) وحزب “اتحاد قوي التقدم”، فكرة الدخول في الحوار.

وتعيش موريتانيا أزمة سياسية معقدة منذ وصول عبدالعزيز، إلى السلطة عام 2008، على خلفية انقلاب عسكري أطاح بأول رئيس منتخب، وهو سيدي ولد الشيخ عبدالله، وانتخب في العام التالي رئيسا، ثم أعيد انتخابه العام الماضي، عبر انتخابات قاطعتها أطياف واسعة من المعارضة. وثمة قطيعة سياسية بين معسكري السلطة والمعارضة، تتجلى في عدم اعتراف بعض أطراف المعارضة بالسلطة القائمة.

ومقابل ما يردّده الرئيس الموريتاني من رغبته في الحوار، ترى جهات في المعارضة أن النّظام غير “صادق”، إذ يرى الرئيس الموريتاني الأسبق، علي ولد محمد فال، أنّ حديث النّظام عن استعداده للحوار “يبقى في حدود المناورة السياسية، ومحاولة شق الصف المعارض”.

ولا يخلو الصّف الموالي للسلطة من تباين يتعلق برغبته في الحوار؛ ففي الوقت الذي يُبدي فيه الرئيس ووزراؤه حماسا للحوار المرتقب، ترى أطراف داعمة للنظام أنّ هذا الحوار ليس له ما يبرره، باعتبار أن البلاد تمر بحالة سياسية طبيعية، وترفض هذه الأطراف، ومعظمهم النواب في البرلمان، الحوار، خشية من أنّه ربما يُفضي إلى انتخابات مبكّرة؛ ما يعني احتمال أن يفقد عدد منهم بعض المكاسب الانتخابية التي حققوها.

ويرى مراقبون أنّ مثل هذه الوضعيات السياسية المتأزمة من شأنها أن تعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، مما ينبئ بارتفاع منسوب الاحتقان الشعبي وتنامي احتجاجات المواطنين الذين فقدوا الثقة على ما يبدو في الطبقة السياسية بسلطتها ومعارضتها، خاصة تلك التي يتوجسون من أجنداتها ومشاريعها شأن جماعات الإسلام السياسي.

6