موريس بيالا سينمائي الحس الغاضب

الأحد 2015/01/04
موريس بيالا سينمائي الواقعية الاستفزازية

قدم مهرجان قرطاج السينمائي في دورته الخامسة والعشرين الأخيرة، تحية خاصة إلى المخرج السينمائي الفرنسي الراحل موريس بيالا Maurice Pialat، وهو شخصية سينمائية مرموقة وإن كان غير معروف كثيرا لدى عشاق السينما في العالم العربي.

وأشهر ما هو منشور عنه في الصحافة العربية، ما وقع عندما أعلن في حفل الختام بمهرجان كان السينمائي عام 1987 عن فوز فيلمه “تحت شمس الشيطان” بالسعفة الذهبية، على غير ما كان متوقعا وعندما صعد إلى المسرح لاستلام الجائزة أطلق الحاضرون صفير الاستهجان، معلنين احتجاجهم على هذه النتيجة، فواجههم موريس بيالا بقوله: “إذا كنتم لا تحبونني فأنا أيضا لا أحبكم”.

هذا المخرج المثير للجدل، كان دائما مغبونا حتى وهو يقدم أفضل أفلامه، فقد طغت على أفلامه، أفلام أخرى فرنسية نالت من الاحتفاء النقدي الكثير، دون أن يلتفت الكثيرون إلى ما في أفلام بيالا من أصالة وصدق ورؤية مميزة للعالم.

صحيح أن واقعيته لم تكن كواقعية غيره من “العمالقة” الإيطاليين، أو حتى الفرنسيين مثل رينوار وكارنيه وكلير، لكنه كان يملك حسا خاصا غاضبا يميز أفلامه، ويرفعها بعيدا عن مشاكل التناقضات الطبقية وهجائية المجتمع الاستهلاكي بشكل مباشر.

فقد كان مشغولا أكثر بسيكولوجية الفرد في تصادمه مع المحيط الاجتماعي، مع نزوع للعنف، حتى أن واقعية أفلامه وصفت أحيانا بأنها “واقعية استفزازية”.

عرض لبيالا في مهرجان قرطاج الأخير، خمسة أفلام هي “الحب موجود” (فيلم قصير) (1961)، “لولو” (1980)، “إلى حبنا” (1983)، “بوليس” (1985)، و”فان كوخ” (1991).

بيالا من مواليد 1925. وقد أراد في البداية أن يكون رساما، إلاّ أنه لم ينجح في ذلك، فاتجه إلى المسرح، ثم صنع عدة أفلام تسجيلية قبل أن يخرج فيلمه الروائي القصير الأول “الحب موجود” (1961).


أفلام ذاتية

بيالا أثناء تصوير فيلم "فان كوخ"


عندما بلغ الرابعة والأربعين من عمره أخرج فيلمه الروائي الطويل الأول، وهو فيلم “الطفولة العارية” (1969) الذي حصل على جائزة جان فيغو في فرنسا.

في ذلك الوقت كانت حركة الموجة الجديدة الفرنسية التي قادها غودار ورينيه وتريفو وشابرول ومال، قد غربت شمسها، واستيقظت موجة أخرى من الأفلام التي تتعقب انتفاضة 1968 في فرنسا، التي اعتبرت تمردا واسع النطاق على المجتمع البورجوازي، بقيمه وأفكاره ومعتقداته القديمة البالية، في السياسة كما في السينما والفن عموما.

وكان مما أثار دهشة السينمائيين والنقاد، وقطاعات واسعة من جمهور الشباب أيضا، أن بيالا لم يلق بالا إلى تلك الموجة، ولا إلى انتفاضة 68 التي أشعلت نقاشا حادا في فرنسا وقتها، بل مضى يصنع أفلاما شديدة الذاتية، لدرجة أن بعض النقاد رأوا أن أفلامه كانت تدور “عن نفسه” أكثر مما هي عن العالم من حوله.

كما أن واقعيته اكتست بطابع لا يهتم كثيرا بتجسيد المشاعر، ولا حتى بالجماليات المألوفة، فقد كان يرغب في “وضع بصمته على كل كادر يصوره” كما يرى البعض، إلاّ أنه كان أقرب إلى المذهب الطبيعي مع نزعة إلى الشكلانية والانسياق.

على العكس من رينوار لم يكن بيالا مخرجا منمقا يصنع سينما جميلة، بل إن الكاتب الروائي والمسرحي النمساوي بيتر هاندكه وصفه بأنه “راو سيئ للقصص”، ولكن الطريف أن كن جونز الذي كتب عن بيالا يقول، إن بيالا نفسه “كان دون شك، سيوافق على هذا الوصف شاعرا بنوع من الفخر”!.


واقعية بيالا


أفلامه تتميز بواقعيّتها التي تحتفي بالعادي، باليومي، بالأبطال الذين يشعرون بالملل والضجر، يسأمون الحياة، لا يقابلون المواقف الصعبة بالسخرية والمرح

تتميز أفلامه بواقعيتها التي تحتفي بالعادي، باليومي، بالأبطال الذين يشعرون بالملل والضجر، يسأمون الحياة، لا يقابلون المواقف الصعبة بالسخرية والمرح.

ولعل أفضل مثال على ذلك بطل فيلمه الأخير “فان كوخ” الذي يعتبره بعض النقاد، أفضل مثال على الإسقاط الذاتي المباشر من جانب بيالا على شخصية فان كوخ في الفيلم، فهو شخصية جذابة لكنه غير اجتماعي، يشعر بنهم للتجريب، إلاّ أنه في الوقت نفسه لا يعرف كيف يستمتع بالحياة، يريد أن ينتمي للمجتمع، لكنه يرفض صحبة الآخرين ويميل إلى العزلة.

هذه التناقضات يعبر عنها في الفيلم، ليس فقط كما تتبدى في ملامح الشخصية الرئيسية، بل من خلال طريقته في السرد، الانتقال بين المشاهد، المونتاج العصبي الذي لا يشبع المشهد تماما كما يتوقع المشاهدون، التوتر الناتج عن القطع المفاجئ، وكلها أيضا من سمات أسلوب بيالا.

أخرج بيالا 11 فيلما حتى وفاته عام 2003، منها أربعة أفلام قام ببطولتها الممثل جيرار ديبارديو، كما كان وراء اكتشاف الموهبة الكبيرة للممثلة ساندرين بونير التي قامت ببطولة ثلاثة من أفلامه.

في فيلمه الشهير “لولو” (1980) الذي حقق نجاحا كبيرا، كان يعرض لعالم باريس الذي سبق أن شاهدناه كثيرا في الأفلام الفرنسية، من خلال تجسيد تلك النزعة المتمردة لدى بطلته “نيللي” (تقوم بدورها إيزابيل أوبير) التي تنتمي للطبقة البورجوازية، وهي متزوجة من رجل متزن محافظ.

تمل حياتها معه فتتعلق بلولو (يقوم بالدور جيرار ديبارديو) وهو شاب عابث عاطل، يتمتع بروح المرح والتحرر، تغشى معه الحانات والمطاعم، يمارس الاثنان الحب في غرفة بفندق، سرعان ما تكتشف أنها هي التي تدفع إيجارها، تحاول دفع حبيبها للعثور على عمل، لكنه يرفض، مفضلا حياة التصعلك والحرية العابثة، يحاول زوجها بشتى الطرق استعادتها دون أن ينجح، تتخذ حياتها منحى آخر بعد أن تجد نفسها حاملا من لولو.

كما ذكرت، كانت ميزة معالجة بيالا سينمائيا للفيلم أنه جعلنا نشاهده، وكأننا نشاهد هذه الشخصيات المتمردة المألوفة (من “بييرو المجنون” لغودار مثلا) للمرة الأولى، بطبيعيّتها ورغبتها في الإبحار بعيدا عن الواقع، ولكن من خلال الإغراق في العبث والجنس والتعامي القصدي عما يلزم الحياة، لكي تكون بالفعل حياة تملك مستقبلا أو حاضرا يوحي بنوع من استمرار الحب. إنه الحب الزائل تماما مثل الصورة الزائلة للمجتمع في تغيره.


شخصيات قلقة

مشهد من فيلم "فان كوخ"


وفي فيلم “من أجل حبنا” (1983) تقوم ساندرين بونير بدور “سوزان”، وهي فتاة مراهقة تريد أن تصبح ممثلة مسرحية، لكنها تعاني من عدم الشعور بالأمان، تقع في حب العديد من الرجال ربما كبديل عن افتقادها لحنان الأب.

تبحث عن الحب، تتخذ لنفسها الكثير من العشاق، تغادر منزل الأسرة كل ليلة، وعندما يعجز أبوها عن وقف هذا العبث يترك المنزل ولا يعود، تتلقى كل يوم عقابا بدنيا صارما من شقيقها وأمها، لكنها لا تستطيع أن تتوقف عن علاقاتها المتعددة، فهي جزء أصيل من رغبتها في التحرر من كل قيود المجتمع التقليدي. لكن سوزان تعجز عن تحقيق الحب.

وكما يقع ضابط الشرطة في “بوليس” (1985) في غرام فتاة متهمة في جريمة قتل، وما ينتج عن ذلك من تعقيدات، يتورط قس متشدد مع فتاة قتلت عشيقها في فيلم “تحت شمس الشيطان” (1987)، فيحاول أن يطهر روحها من الشيطان، لكنه يفشل.

هذا الفيلم مأخوذ من رواية صدرت في عشرينات القرن الماضي للكاتب جورج برنانوس صاحب “موشيت”، و”يوميات قس القرية” اللذين استمد منهما المخرج روبير بريسون فيلمين.

يلعب ديبارديو في هذا الفيلم دور قس كاثوليكي متشكك قوي البنية، لكنه يشعر بالضعف الشديد، فهو يرى أن الشيطان يتغلب على الله، يقوم بتعذيب نفسه بالجلد والإيذاء تقربا من الله لعله يطهّر روحه، يحاول رئيسه في الأبرشية الذي يقوم بدوره المخرج بيالا نفسه، أن يكبح جماحه بلا جدوى، فهو يشعر بعجزه عن تقديم التفاؤل والسكينة للمصلين، فهو نفسه يتشكك، يتساءل لماذا ينتشر الفقر والعنف حوله دون أن يملك لهما دفعا؟

يلتقي هذا القس بالشيطان الذي يغويه ويمنحه القدرة على الشفاء وعمل المعجزات لكي يزيد من انجرافه نحوه.. لكن محاولته مساعدة الفتاة (الخاطئة) تنتهي نهاية كارثية. فهو لا يدرك أن نزعته المغالية في التدين قادته من حيث لا يدري إلى تبني روح الشيطان. ويعتبر الفيلم من أشد الهجائيات السينمائية قسوة للكاثوليكية. وكما في معظم أفلامه، يتميز التمثيل، بل ويتجاوز الشخصيات المكتوبة في السيناريو نفسه.

في فيلم “فان كوخ” (1991) يزعج بيالا الكثيرين من عشاق الفنان الهولندي الكبير، بفيلمه الذي يبلغ زمنه 3 ساعات، فهو أولا يختار التركيز على ما حدث (ولو افتراضا) خلال الأشهر الثلاث الأخيرة في حياة فان كوخ، عندما ذهب يعيش في أوفر- سري- أويس في الريف، في ضيعة رجل ارستقراطي كان مولعا باقتناء اللوحات.

بعض النقادرأىأن أفلام بيالا كانت تدور "عن نفسه" أكثر مما هي عن العالم من حوله

وثانيا، ينسج الفيلم الكثير من الافتراضات التي لا توجد عليها أي أدلة، كما لا يتمتع تقديم الشخصية الشهيرة بتلك المشاعر الجامحة التي يتوقعها الجمهور.

في تلك الضيعة الريفية يقع فان كوخ في حب ابنة مضيفه الشابة الحسناء (وهو ما لا يوجد دليل عليه)، ونراه وهو يختلي بها بين الحقول، كما نرى كيف أنه لا يشعر بأهمية لوحاته وقيمته وسط فناني عصره، بل يبدو ضجرا يميل للانطواء، يغار منه شقيقه، ولكنهما يقومان برحلة إلى باريس وهناك يغشيان أحد بيوت الدعارة، إلى أن نصل للحظة إطلاق فان كوخ النار على نفسه دون أن نراها، بل نكتفي بمشاهدة آثارها بعد ذلك عندما يرفض فان كوخ تلقي العلاج وبالتالي ينتهي بالموت.

ولكن حتى حادثة الانتحار ليست مؤكدة بل تظل مفترضة، أما أهم ما في الفيلم فهي تلك النزعة الطبيعية إلى تجسيد أجواء لوحات فان كوخ نفسها، من خلال اللقطات والمشاهد المختلفة وطريقة الإضاءة والتصميم، في محاولة لتمييز فان كوخ عن رفاق عصره من الرسامين التأثيريين، فبينما كان هؤلاء يراقبون العالم، كان فان كوخ يقوم بتغييره- كما يرى نقاد الفن التشكيلي!

16