موريس فلامنك رائد "الوحشية" وتصوير الواقع بين اعتراف وإنكار

الاثنين 2015/03/09
رسومات فلامنك عدت انقلابا على المفاهيم التشكيلية في القرن العشرين

يعتبر موريس فلامنك (1876 /1958)، أحد رواد الوحشية، من الفنانين المنسيين، إذ لم يقدّم له سوى معرضين، الأول في رواق شاربنتييه بباريس عام 1956، أي سنتين قبل وفاته، والثاني في متحف الفنون الجميلة بمدينة شارتر عام 1987. وقد رأت مدينة روييل مالميزون أن تقيم له معرضا استعاديا (يتواصل حتى نهاية شهر مايو القادم) بمناسبة مئوية ميلاده.

موريس فلامنك فنان عصامي ويفخر بذلك، أخذ من الحياة ومجالاتها بكل طرف، تعلم عزف الكمان من أبيه، ثم ولع بالرسم صغيرا، فكان يصور مشاهد من ضفاف السين بعفوية، ثم هجر عائلته ليستقر بقرية شاتو قرب فرساي ويحترف الميكانيكا.

وفي سن الثامنة عشرة شغف بركوب الدراجة، وصار سباقا محترفا يحقق الانتصار تلو الانتصار، ويكسب عيشه من هذه الرياضة، حتى أصابه مرض أقعده عن مزاولة هوايته، فعاد إلى تعلم الموسيقى وتدريس بعض أطفال الموسرين العزف على الكمان.

ثم ترك كل ذلك بعد زواجه، وصار يساهم في عروض موسيقية مع نفر من أصحابه ليلا، في الحانات والملاهي.

في العام 1900، التقى صدفة في القطار، وكان عائدا من الخدمة العسكرية، برسام في مثل سنه يدعى أندريه دوران، فكان لذلك اللقاء أثر كبير في مسيرته الفنية، إذ بدأ يكتب الشعر ويؤلف روايات بورنوغرافية يتولى صديقه دوران ترصيعها ببعض الرسوم، وعاد إلى الرسم الذي ألهته عنه صروف الحياة.

تأثر في بداياته ببول سيزان، ثم عبر عن طبعه النهم الميال إلى الاكتشاف بأساليب عديدة، قبل أن يكتشف فان غوخ ويلمس في لوحاته تقنيات وألوانا تخالف الرسم الأكاديمي، وتوافق طبعه العصامي المتمرد، ولم يكن وقتهــا غير سليـــل ما بعد الانطباعية.

ثم تعرّف على هنري ماتيس وتجربته الفريدة. وفي العام 1904 التقى بأبولّينير فاكتشف لديه ولعه بجمع تحف الفن الزنجي التي عرضها لأول مرة.

فلامنك عده بعض النقاد خائنا للفن الحديث، متنكرا لقيمه، فيما اعتبره فريق ثان سيد الحداثة عن جدارة

عندئذ، تخلص فلامنك من قيد التصوير، وصار يكتفي بنشر الألوان بخشونة على القماشة باستعمال الصبغة الخالصة، ما جعله يصنف ضمن تيار المتوحشين الذين أثاروا فضيحة في صالون الخريف عام 1905، عندما عرض ثماني لوحات إلى جانب أعمال فنية لماتيس وجان دوفي وهنري روسو وإدوار فويلاّر وجورج رُوُو.

قال عنه ماتيس “فلامنك كان يصرخ بحماس أنه يجب استعمال الكوبالت الخالص والزّنجفر الخالص والفيرونيز الخالص (نسبة إلى الرسام الإيطالي باولو فيرونيزي 1528 /1588)”. وهي وصفة ما سُمّي في ما بعد، أي بداية من 1905، الحركة الوحشية، التي قوبلت باستياء كبير حتى أن أحد نقاد تلك الفترة طالب بحبس أولئك الفنانين “المتوحشين” في قفص.

ثم التقى بأمبرواز فولار، الذي فتح صالونا للفنون المعاصرة وساهم في التعريف بكثير من فناني تلك الفترة، فساعده ماليا باقتناء بعض لوحاته. بفضله تعرف على كيس فان دونجين وجورج براك وبيكاسو.

مثلما تعرف على موديلياني ومارينيتي إثر زيارة إلى أنكلترا، حينما كانت طبول الحرب تقرع. وقد عبر عن مناهضته للنزعة العسكرية في لقاء جمعه بثلة من “أصدقاء دورة فرنسا للدراجات”، حيث أحرقوا بورتريه هتلر بوصفه “دهانا سابقا بحظائر البناء، ليس له ما يؤهله لنقد المدرسة الفرنسية، واعتبار أعمال براك ودوران وغوغان ولورنسان وفالندون وكيسلينغ وماتيس فنا منحلا”.

ورغم ذلك كان من بين الفنانين الذين زاروا ألمانيا النازية خلال رحلة نظمتها حكومة فيشي زمن الاحتلال، ما جعله عرضة للتهم والإيقاف عندما وضعت الحرب أوزارها. وكان من نتيجة ذلك انفصاله عن صديقه دوران، واعتزاله هو لمواصلة عمله في الرسم والكتابة، معبرا عن ثورته التي لم يتخلّ عنها حتى مماته.

فنان زار ألمانيا النازية خلال رحلة نظمتها حكومة فيشي ما جعله عرضة للتهم والإيقاف عندما وضعت الحرب أوزارها

وعاش فلامنك دون أن يحظى باعتراف، حتى خصص له رواق شاربنتييه معرضا كبيرا عام 1956، أثار ردود فعل متضاربة؛ فريق من النقاد عدّه خائنا للفن الحديث، متنكرا لقيمه، فيما اعتبره فريق ثان سيّد الحداثة عن جدارة، من حيث توليف مشاهده وصياغتها بأسلوب مفرد.

الآن، وبعد مرور أعوام على وفاته، يحيي فيه مؤرخو الفن عصاميته واستقلاليته، ويرون أنه، وإن كان رأسا من رؤوس الحركة الوحشية، فقد أنتج أعمالا استوحاها من طبعه الغريزي وحاجته إلى التعبير عن انفعالاته وأحاسيسه وانجذابه إلى الطبيعة والبيئة الريفية. بدأ انطباعيا، ثم سيزانيا، ثم توحشيا، قبل أن يبتعد تدريجيا عن التيارات التصويرية وعن الصالونات الفنية الباريسية.

ويسجلون أنه سبق بيكاسو في الفن الخزفي، وكان كعادته يقول قولته دون أن يخشى من صاروا كبارا، يؤلههم النقاد وتعبدهم الجماهير ووسائل الإعلام، وهو ما كان سببا في القطيعة بينه وبين بيكاسو.

وغاية هذا المعرض نفض الغبار عن هذا الفنان العصامي الذي طوى النسيان خبره؛ أولا، احتفالا بمئوية مولده كما أسلفنا. وثانيا، وفاء من مدينة رويل مالميزون لفنانها الذي أقام بين ربوعها عشر سنوات من 1902 إلى 1912. وثالثا تقديم آثاره في شتى المجالات، من لوحات وأعمال خزفية ونقوش على الخشب ومؤلفات جاوزت العشرين وكتب مصورة.

16