موريس ماترلينك يستكشف مناطق النفس الأشد ظلمة

الاثنين 2015/03/23
الظلمة أتت اختيارا إخراجيا كي يجد المتفرج نفسه في وضع المكفوفين

غالبا ما يدرج اسم البلجيكي موريس ماترلينك (1862- 1949) ضمن أنصار التيار الرمزي، سواء في أشعاره مثل “براثن حامية” حيث الأجواء الساحرة والخطاب المبني على مستويين، أو في مسرحياته مثل “الأميرة مالين” المفعمة بالغرابة والصمت وتقطع الخطاب، وغياب الروابط المنطقية بين الجمل، أو مثل “العُمْي” التي عرضت مؤخرا في مركز “مئة وأربعة” بباريس.

رغم فوز موريس ماترلينك بجائزة نوبل عام 1911 (وهو البلجيكي الوحيد الذي حصل عليها حتى الآن)، لم يكتب له الانتشار الذي يستحقه عن مسرحه، وله من الأعمال ما دفع بعض نقاد تلك الفترة، أوكتاف ميربو مثلا، إلى تشبيهه بشكسبير في خلق عوالم مخصوصة، تأخذ المرء إلى مناطق الروح الأشدّ عتمة ووحشة، حيث ترى زوابع غريبة مما يصعب نطقه والتعبير عنه، ومخاوف قديمة كما في الحكايات الشعبية، والسبب في ما يرى بعضهم نجاحه في الأوبرا، خصوصا بـ”بيلّياس ومليزاند”.

مسرحية “العُمْي” التي أعدّها دانيال جانّوتو في البداية للمسرح الأستوديو الذي يديره بضاحية فيتري سور سين، قبل أن يعرض مؤخرا في مركز “مئة وأربعة” بباريس تعكس فن ماترلينك في رمزية لغته وقوة إيحائه.

وتروي مأزق مجموعة من العمي، في حالة انتظار، على جزيرة لا تسمى، وفي غابة غير محدّدة، تقع على مسافة غير معلومة من مأوى، في وقت ما بين قدّاس العصر عند المسيحيين وغروب الشمس.

نص المسرحية يحوي كلاما متبادلا بين مكفوفين، ما فرض الاستئناس بوصف الأشياء الملموسة، والتساؤل الدائم

أخرجهم من المأوى أحد الرهبان لأن الشمس، فيما يبدو، كانت مشرقة. ولكن مع هبوط الليل، بدأ البرد يزحف، والجوع يعتصر الأمعاء. لا بدّ للراهب أن يعيدهم من حيث أتوا، ولكنه ذهب بحثا عن الماء وتأخر.

وفي انتظار عودته، لم يبق للعمي إلاّ أن يعتمدوا على بعض الأصداء البعيدة لناقوس، وزقزقة عصافير، وروائح بعض الأزهار للاستعلام، أو على طفل مبصر لم يتعلم الكلام بعدُ، يستشعرون من بكائه أن شيئا يحدث. غير أن الراهب هلك بينهم. أي أن حل العقدة يقدّم منذ الوهلة الأولى للمتفرج، المبصر، في غفلة من العمي، فهم تائهون، ولا يعلمون أنهم تائهون.

في هذا النص الشاعري الذي يحمل رغم بساطته الظاهرة رؤية فلسفية عميقة، يكمن الفعل الوحيد في اكتشاف تلك المجموعة من البشر، الذين يعيشون الأحاسيس نفسها، أنهم عزّلٌ في عالم لا يفهمونه، وأنهم يوشكون على الهلاك. حقيقة مرعبة تُطلق في لحظة عارية صادمة دون أن تلقى جوابا، كمثَل من يصرّح لشخص آخر “ستموت”، هذا كل ما في الأمر.

من خلال هذه المسرحية، يمكن أن نستدل إلى خصائص ثلاث تميّز كتابة ماترلينك: أولاها الاقتصاد في الحدث، فالمسرحية يمكن تلخيصها في بضع كلمات، والمتفرج يوضع مباشرة في صميم الحدث، حيث الشخوص، الذين يبشرون في وجه من الوجوه بأبطال بيكيت، ليس لهم سوى الانتظار. وبذلك لا تكتسي المسرحية أهميتها من تعاقب الأحداث بل من خلق عالم غير مسبوق، يقع على تخوم الحلم والواقع. وثانيتها، خلق مناخ، فالمسرحية تزاوج بين الانغلاق الجغرافي في جزيرة، والانحباس السيكولوجي الذي يسببه العَمَى، بشكل ينعكس في اللغة نفسها، إذ فقدت دورها كمحرّك للأحداث، وصارت وصفية، خيالية، حيث ينبعث الحرف من أعماق الكائن في ثوب استعارة، تحاول أن تقترح ما لا يمكن تسميته، وينأى الحوار عن الحديث المتناسق الذي يستند فيه الردّ في العادة إلى كلام سابق ضمن السياق نفسه.

المسرحية تروي مأزق مجموعة من العمي، في حالة انتظار، على جزيرة لا تسمى، وفي غابة غير محدّدة، تقع على مسافة غير معلومة من مأوى، في وقت ما بين قدّاس العصر عند المسيحيين وغروب الشمس

وثالثة، تلك الخصائص للنظرة التأمّلية التي تتكشف في لغة شاعرية، دون أن تقع في التجريد، ما يجعل المسرحية رغم غياب الحدث، ورغم تماثل سمات أبطالها، قادرة على طرح السؤال عن جوهر الحياة نفسه، كما في قول أحدهم “عبثًا جَسَسْنا الجدرانَ والنوافذ، نحن لا نعلم أين نعيش”.

يحوي نص المسرحية كلاما متبادلا بين مكفوفين، ما فرض الاستئناس بوصف الأشياء الملموسة، والتساؤل الدائم، والتعبير الشفوي البحت عن القلق والحيرة وسائر الأحاسيس التي لا يمكنهم نقلها بالإشارات والمواقف.

ومجمل الحوارات تكوّن وحدة متجانسة خاصة بعالم المكفوفين، ما يجعل العتمة وحتى الظلمة أفضل طريقة لإخراج المسرحية حتى يجد المتفرج نفسه في وضعهم، فيتحسس بدوره ما يتحسسون، ويطرح الأسئلة التي يطرحون ليتحد معهم في تراجيديتهم، وتنتفي بذلك مسألة المباعدة، وتغدو المسرحية نصا ينظر إليه من الداخل وليس من الخارج.

وقد اختار دانيال جانّوتو ألا يعالج أيّ شيء مرئي، لا الأزياء ولا الأضواء ولا الديكور، فالركح غارق في غسق أغبش، والممثلون يخالطون الجمهور، والأصوات مجهولة المصدر، تندّ من هنا وهناك، لتستثير في المتفرج المغمض العينين فهمه لسلوك شريحة من البشر، بلا هوية ولا تاريخ، تسعى في سيرورة العالم، وسط الطبيعة، بغير غاية، لتلقى مصيرا لم تختره.

16