موزعو الصحف.. جنود ينشرون أخبار العالم وقصصهم منسية

مهن كثيرة يقف وراءها جنود مجهولون، يعملون في عتمة الليل الدامس، ويقطعون الحارات الموحلة والشوارع المظلمة بينما الناس نائمون، فلا يشعر بهم أحد، ويتحملون المشاق، من بين تلك المهن، مهنة موزع الصحف، التي نادرا ما تسلط عليها الأضواء، مع أن أصحابها يحملون على عاتقهم مسؤولية نقل ثقافة المجتمع اليومية إلى مواطنيه.
الاثنين 2017/02/06
موزع الصحف أول الملمين بأخبار العالم

القاهرة- رغم تطور الصحف على مدار عدة عقود، إلا أن مهنة توزيعها بقيت على ما كانت عليه منذ عرفت مصر إنشاء الصحف، من حيث الاعتماد الكلي على العنصر البشري (المُوزّع) في هذا العمل، والذي يتحمل بمفرده عبء التنقل الليلي، كي لا تشرق شمس اليوم الجديد إلا وتكون النسخة الجديدة من الجريدة أو المجلة في يدي كل مشترك.

محمد عبدالبديع، مدير توزيع بإحدى الصحف المصرية الكبرى، أوضح لـ“العرب”، أن الموزع يعمل على تغطية جميع المدن والمراكز والـقـرى النائية، مـن خلال شبكة توزيع مركزها القاهرة، وتضم أسطولا ضخـما مـن الدراجات النارية (الموتوسيكلات) والسيـارات، وتـبـدأ عملية التوزيع بتغطية نقاط البيع بالقاهرة ليلا.

أما التوزيع “الصباحي” للصحف، فيتم من خلال الشحن بالقطارات والحافلات وخطوط السكك الحديدية، وأحيانا بالطائرات للبعض من المحافظات النائية، لتصل الجريدة إلى قارئها في جميع ربوع البلاد يوميا. مهنة موزع الجرائد ليست مهنة سهلة، كما يظن البعض، فهي تتطلب التزاما كبيرا، محافظة على مواعيد الحضور إلى أماكن التوزيع، مهما كانت الظروف، سواء المناخية أو حتى الاجتماعية للموزع نفسه.

خلية نحل

مهنة موزع الجرائد مهددة في مصر بسبب انخفاض مستوى توزيع الصحف المطبوعة الذي وصل إلى 14.4 بالمئة سنة 2015

محمد خالد، أحد الموزعين بمؤسسة الأهرام الصحافية المصرية، أشار لـ“العرب” إلى أن تلك المهنة ارتبطت بازدهار الصحافة الورقية في مصر، عندما كانت النسخ الورقية تلقى رواجا كبيرا، فقبل طغيان الصحافة الإلكترونية، كانت أعداد النسخ الموزعة تصل إلى الملايين، خاصة الصحف القومية، مثل “الأهرام” و“الأخبار” و“الجمهورية”، ما أدى إلى ارتفاع أعداد المشتركين من الأفراد والمؤسسات المختلفة، كالجامعات، والمكتبات، وشركات الطيران، والأندية الاجتماعية وغيرها، ومن ثم نشطت مهنة التوزيع.

ورغم أن عملية توزيع “الاشتراكات” تقوم على موظفين كثيرين داخل المؤسسات الصحافية، إلا أن الموزعين هم من يتحملون العبء الأكبر، حيث تقع على عاتقهم مشقة نقل الصحف وتوزيعها في مختلف أرجاء البلاد، إذ يخوض الموزع بدراجته البخارية غمار مياه الأمطار بالشوارع في الشتاء، وكل ما يحميه في عمله مجرد ارتداء ملابس بلاستيكية تحت ملابسه، أو وضع جرائد على صدره، لتحميه من لفحات البرد أثناء انطلاقه.

هؤلاء الموزعون، “ليلهم نهار.. ونهارهم ليل”، حيث تراهم يحتشدون أمام المطابع، قبل انتصاف الليل، ينتظرون تسلم كميات النسخ المراد توزيعها، ودائما ما يرتدي الموزع ثوب المصارع للوقت، بل وأحيانا التحايل على قانون المرور، ليبلغ الجهة التي يبتغيها، فهو دائم الحركة من مكان إلى آخر، ويركض من زاوية إلى أخرى، ليسجل انتصاره اليومي، بإيصال الصحيفة إلى قارئها قبل شروق الشمس. ثم إنه يجب أن يتحلى بالجرأة والشجاعة، ولا يعرف قلبه الخوف، سواء من المحلات المغلقة الصامتة في عتمة الليل، أو من الشوارع المقفرة الخالية من المارة، فكل ما يسعى إليه هو توزيع الجريدة على عناوين القراء التي يحفظها عن ظهر قلب، أو على مراكز التوزيع، ودائما ما يحمل همّ المواطن الذي يرغب في مطالعة الأخبار الطازجة بصحبة فنجان قهوته الصباحية.

وهو يحفظ عناوين أحياء وأماكن سكن المشتركين في الصحف، وتدربت يداه على المكان الذي سيقذف فيه بالصحيفة، بعد طيّها وربطها برباط مطاطي “أستيك”، أو وضعها في شنطة (كيس) بلاستيكية إذا كان الاشتراك يتضمن أكثر من جريدة واحدة، لتصل النسخة إلى المشترك في الميعاد المحدد. ويشعر الموزع بسعادة بالغة وهو يمارس عمله، فجميع الأخبار المهمة في العالم، يكون هو على علم بها قبل الكثيرين، بالإضافة إلى متعة التردد على أماكن التوزيع الخاصة به وهو يعرف أن هناك من ينتظره بفارغ الصبر، ومنهم شخصيات بارزة في المجتمع.

جنود الخفاء

خالد (الخمسيني العمر)، أوضح لـ“العرب”، أن أي تأخير في توزيع الصحف، تترتب عليه تداعيات سلبية، وخسائر كبيرة للمؤسسة، لأن المشتركين قد يضطرون إلى إلغاء اشتراكاتهم أو شراء صحف أخرى منافسة، ويصف عملية توزيع الصحف بأنها “كالميت الذي يجب دفنه مبكرا قبل أن يطلع عليه نور الصباح”، وإلا فلن تكون للصحيفة قيمة إذا وصلت بعد ذلك، وهذا ما يدفع الموزعين إلى العمل وكأنهم “خلية نحل”.

تعلم خالد، من خلال الاحتكاك اليومي مع المشتركين، أن طباع الناس مختلفة، فمنهم من يتعالى كثيرا على الموزع، ويبحث عن المشكلات بأي طريقة، وينتظره عند باب المنزل، ناظرا إلى ساعته في غضب، متسائلا لماذا لم تصله الجريدة في نفس توقيت وجودها عند البائع، ثم يهدده ويتوعده، بأنه سيتصل بالمسؤولين بالجريدة، رغم علمه التام بظروف العمل الصعبة.

لكن هناك آخرين تربطه بهم علاقة ود ومحبة، ويتعاملون معه بمنتهى الرقي، ولا ينظرون إليه كموزع، بل كصديق، ويشفقون عليه من صعود سلم البناية، فيطلبون منه أن يضع نسختهم الورقية في مدخلها، بل وهناك أحيانا من يلح عليه بالصعود لاحتساء القهوة الصباحية معه، وآخرون يدعونه إلى مشاركتهم مائدة الفطور. ومع أن الكساد والتراجع اللذين يجتاحان الصحافة الورقية في مصر حاليا، إلا أن محمد خالد وزملاءه يتمسكون بعملهم كموزعي صحف، ويفتخرون به، ولا يتصورون استمرار حياتهم بعيدا عنه.

هدف سهل للبلطجية

مصطفى أنور، موزع آخر للصحف، أوضح أنه وزملاءه كثيرا ما واجهوا مخاطر أمنية كبيرة على مدار السنوات التي عملوا فيها، لكنها ازدادت بعد ثورة 25 يناير 2011، بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني لأكثر من أربع سنوات متتالية، حيث كان الموزع هدفا سهلا للبلطجية وقطاع الطرق، يستوقفونه للاستيلاء على ما لديه من صحف، أو على ما بحوزته من عوائد مالية.

علاوة على ذلك، كان البعض من ثوار يناير الرافضين لنظام مبارك السابق، يهاجمون عربات التوزيع، ويعتدون على الموزعين، نظرا للموقف السلبي الذي اتخذته الصحف القومية من الثورة، فكان الموزعون هدفا سهلًا لهم، والبعض من هؤلاء الموزعين سقطوا “شهداء” خلال أحداث الثورة نتيجة لهذا الانفلات الأمني، وفوق ذلك فإنه لا يوجد تأمين كاف من جانب المؤسسات الصحافية لتعويض من يتعرضون للمخاطر والإصابات، أو يفقدون حياتهم أثناء مزاولتهم للمهنة.

موزع الصحف يجب أن يتحلى بالجرأة والشجاعة، ولا يعرف قلبه الخوف، سواء من المحلات المغلقة الصامتة في عتمة الليل، أو من الشوارع المقفرة الخالية من المارة

كما أن قطع الطرق قد أعاق الموزعين في الكثير من الأحيان عن الوصول إلى مناطق التوزيع في الميعاد، فكانوا يضطرون أحيانا إلى الانتظار حتى الصباح وانتشار الأمن لكي يقوموا بمهمتهم، وهنا يكون هناك عائق آخر، هو الزحام الشديد بالشوارع وشلل حالة المرور، ما يتسبب في تأخير وصول الصحف إلى مشتركيها. وحدث في الكثير من الحالات أن ساءت العلاقة بين الموزع والمشترك، بسبب الخوف لدى البعض، من أن يكون موزع الصحف بلطجيا أو مهاجما متنكرا في صورة موزع، ومن ثم كان حراس العقارات يرفضون استلام الصحف، أو السماح للموزع بالصعود إلى الأدوار العليا لتوزيعها على الشقق.

حتى بعد أن استقرت الأوضاع، مازال الأمر لا يخلو من المنغصات، كما يوضح أنور لـ“العرب”، شارحا أن طبيعة العمل تتطلب الانتظار حتى تنتهي عملية الطباعة، إذ قد يتغير الأمر برمته في الدقائق الأخيرة، بسبب ورود أخبار عاجلة تستدعي تغيير محتوى الجريدة، وهنا يظل الموزع لساعات طويلة، يتحرك ذهابا وإيابا أمام المطبعة، كما قد يحدث بالمطبعة عطل مفاجئ، فيتضاعف وقت الانتظار، وقد تشرق الشمس قبل أن يتسلم النسخ لتوزيعها.

وعن متاعب ومفاجآت المهنة، أوضح أنور، أنه ذات مرة فوجئ أثناء توزيعه للصحف في منطقة شبرا (وسط القاهرة)، بإزالة الصندوق المخصص للصحف من أمام أحد المنازل، ما اضطره إلى وضعها فوق سيارة أمام المنزل، كما أن البعض من البنايات تتعطل مصاعدها، ما يضطره إلى الصعود عبر سلم العمارة إلى الأدوار العليا، لأنه إذا وضع الصحيفة في غير مكانها فسوف يستولي عليها الجار.

هناك مشتركون يشددون على عدم طي الصحيفة أربع طيات، لكنه لا يستطيع إلا أن يفعل ذلك إذا كان سيقذف بها إلى مكان مرتفع، لأن قذفها وهي مفرودة سيجعل وصولها إلى الشرفات المرتفعة أمرا مستحيلا. وتتعطل دراجة الموزع بشكل مفاجئ ليلا، فلا يكون أمامه حينها سوى الاتصال بزميل آخر قريب، أو طلب “الموزع الاحتياطي” الموجود بالجريدة، ما يؤدي في النهاية إلى تأخير الجريدة عن صاحبها، وسيقوم هذا المشترك، بشكوى الموزع لدى إدارة الجريدة، التي ستعاقبه بفصله من عمله وتكلف به زميلا آخر، فلا يجد هو عملا، أو ينقلونه إلى مكان آخر لم يعتد عليه، لتبدأ القصة من جديد.

المهنة إلى زوال

أدى تراجع الصحافة الورقية لصالح الصحافة الإلكترونية وتناقص أعداد النسخ المطبوعة منها بشكل كبير (أحيانا بمعدل الثلثين)، إلى تراجع عدد الاشتراكات والمشتركين، ما أثر سلبا على أعداد العاملين بمهنة التوزيع، حيث تم الاستغناء عن الكثيرين منهم، خاصة في الصحف المستقلة، أما في الصحف والمجلات الحكومية، فقد تم تحويل جزء كبير منهم، إما للعمل كسائقي سيارات لتوصيل العاملين بالمؤسسة الصحافية، أو توزيعهم على ما يعرف “بالخدمات المعاونة”، مثل العمل في المطاعم والبوفيهات والكافيتريات، أو الأعمال الإدارية التي لا يجيدونها وتحتاج إلى إعادة تأهيل.

مهنة التحديات

حمادة يسري (أحد الموزعين)، لا يزال يعمل في مهنة التوزيع، لكنه عبّر عن استيائه من التغيرات الكبيرة التي طرأت على هذه المهنة، خاصة في الجانب المالي، وأكد ضرورة أن تعي شركات التوزيع، أن غياب الموزع المحترف، يعني كساد الصحف وتراكمها بالمخازن.

وشرح لـ“العرب” أنه كان يصل الليل بالنهار بجد وحماسة في توزيع الصحيفة وإصداراتها المختلفة على أكشاك الجرائد، ويقوم أيضا بتوزيع الصحف الأخرى المستقلة التي تطبعها المؤسسة، وكان يحقق دخلا كبيرا لأن دخله يرتبط بنسبة التوزيع التي ينجزها، وبسرعة إيصال الصحف للمشتركين، كما كان يأخذ نسبة مالية أيضا على توزيع الكتب والصحف المستقلة والحزبية، وكان يتسابق مع زملائه من أجل زيادة “العمولة” مع زيادة التوزيع، لكن الآن تراجعت كل هذه الحوافز المالية، ما أثر سلبا على النفقات الحياتية المتزايدة.

ويكتسب الموزع من المهنة دروسا كثيرة على مر السنوات، ومنها أنه ينبغي عليه ألا يتأخر عن السادسة صباحا في توزيع كل حصته، وإلا فإن المشترك سيصحو فلا يجد صحيفته المفضلة في مكانها، وأن يحافظ عليها كما لو كانت ابنا من أبنائه، كما ينبغي ألا تبتل الجريدة أو تتلوث في الطقس الممطر أو المغبر، ومن ثم فهو يضطر إلى الاحتفاظ بها داخل سترته الجلدية، في المسافة بين الموتوسيكل وحتى منزل المشترك.

واعتبر مراقبون أن تراجع مهنة التوزيع لا يعود فقط إلى انتشار الصحافة الإلكترونية وتناقص أعداد توزيع الصحف، بل إلى حالة التدهور المهني الصحافي، فالصحافة الورقية لم تطور نفسها أمام صعود الصحافة والمواقع الإلكترونية، بل ظلت على نمطها التقليدي في المعالجة الصحافية البعيدة عن مشكلات الناس الحقيقية، ما أفقدها مصداقيتها، ودفع القراء إلى النفور منها وعدم الإقبال عليها، ومن ثم تراجعت أعداد التوزيع بشكل كبير جدا. وأضافوا لـ“العرب” أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مصر، زادت الطين بلة؛ فارتفاع الأسعار نتيجة لتعويم الجنيه، والارتفاع الجنوني غير المسبوق الذي شهده الدولار، ألقيا بظلالهما على ورق الطباعة، الذي زاد سعره أضعافا مضاعفة، حيث يتم استيراده من الخارج بالعملة الصعبة (الدولار).

وحسب دراسة حديثة أجراها الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء، فإن معدل توزيع الصحف المطبوعة، انخفض في عام 2015 مقارنة بالعام السلبق بنسبة 14.4 بالمئة، وهو ما دفع مراقبين إلى اعتبار ارتفاع التكاليف يشكل أزمة وجودية أمام صناعة الصحافة الورقية. ورغم مشكلات مهنة توزيع الصحف المتزايدة، هناك من يرى أنه رغم التدني الحاصل فيها، إلا انها ستبقى طالما بقيت الصحف الورقية، وعللوا ذلك بوجود شرائح مازالت تقتني الصحف بحكم العادة، خاصة كبار السن.

20