موسـم الرعـد وقطاف الكمأة

الاثنين 2016/01/11

لا أزال أتذكرها، حتى هذه اللحظة، بحنينٍ شجيّ ومتعةٍ طفولية. بساطة أقربُ إلى الفقر، وتفاصيلُ خضراء عصية على النسيان. ابتعدَ بها الزمن، أو ابتعدتْ به، حد الانخراط في نقطةٍ سديميةٍ لا عودة منها. لكنّ خيطاً خرافياً، دافئاً ونحيلاً، مازال يمتد بيني وبين تلك القرية وأكواخها الطينية الصابرة. تماماً كما كانت تمتد سدتها الترابية حتى مدينة الكوت. مركز محافظة واسط.

لم يقترن تأسيس مدينة واسط القديمة بتفتح الحياة واتساعها. بل كان العكس هو الصحيح تماما. كان اقترانها بفائض الاستبداد وقهر الناس كبيراً، مدينة لم يؤسسها الحجاج بن يوسف الثقفي تلبية لنداء الحياة أو الرغبة في إنعاش مدياتها. بل لتجسد واحدة من أقسى فترات العذاب والقسوة في تاريخنا العربيّ أو الإسلامي. حتى يخيل لي أن حجارتها لا تزال، حتى الآن، منقوعة بالدم والأنين.

ويخيل إلي، أيضا، أن الحجّاج، ذلك الطاغية البليغ، حين هـمّ ببناء واسط إبان حكمه، إنما كان يستجيب إلى لحظةٍ كابوسيةٍ من لحظات تشهّيه للظلم وإشاعة الفجيعة. كان لا بد له من أن يزيد من سعة الأرض التي يحكمها لكي تتسع لمزيدٍ من جبروته وبطشه. لقد بلغ ذلك الجبروت حداً دفع بالحسن البصري إلى إطلاق صرخته الشهيرة: عجبتُ من جرأتك على الله، وعجبتُ من صبر الله عليك.

حين فتحتُ عينيّ في قريتي الصغيرة تلك، كانت حواس الطفل الذي كنته، تمتلئ بالكثير من مفاتن البراري ونشوتها الفوّاحة. وكان فيه ميل، لم يفارقه حتى الآن ربما، إلى مقدم الخريف، والبدايات الأولى للرعد والمطر وقطاف الكمأة.

كانت محافظة واسط، التي يعرفها الناس آنذاك، بلواء الكوت، تعيش نظاما إقطاعيا بالغ الشراسة. وكأنّ لعنة واسط القديمة لا تزال تتحكم في مقدرات الناس ومصائرهم.أرض شاسعة ممتدةٌ، كالسماوات، يملكها شخص واحد، وفلاحون يزرعون تلك الأرض، ويسهرون على ترابها حتى يخضر، وعلى حقولها حتى تموج بالذهب والثمار. وفي آخر الموسم قد لا يحصل هؤلاء الفلاحون إلا على حفنةٍ من القش، أو ما يكفي لمنع هلاكهم جوعاً.

لم يكن والدي مالكا للأرض، في تلك القرية، ولم يكن فلاحا تماما. كان أكثر من فلاحٍ بقليل، وأقلَّ بكثير من مالكٍ للأرض. وكنت أحس، دون أن أعي بطبيعة الحال، أن ثمة تراتبا في مقامات الناس، ومنزلاتهم الاجتماعية والاقتصادية. مالك واحد للأرض وما عليها، وفلاحون لا يملكون إلاّ تعبهم وانتظارهم المرير. حالات من الفقر، تصل حد الإذلال أحيانا. وأتساءل الآن عما كنت أحسه آنذاك دون أن أعيه: أكان بقية من عنت الحجاج وقسوته الكبيرين؟

في تلك القرية التي ربطت لغتي إلى الماء، تعلمّتُ الإصغاء إلى الريح الشتوية وهي تردد نواحها الليليّ البارد في الحقول المجاورة، وأودعتُ ذاكرتي حشداً من المخلوقات الممعنة في ندرتها وصفائها. في تلك القرية الذائبة في فضاء من الحنين ألفْـتُ طيورَ الحصاد، والغجرَ القادمين من وراء الظنّ يصنعون، في النهار، حليّ النساء وخناجرَ القتلة، ويبيعون الطربَ والملذات في الليل.

ومذ هاجرنا من قريتنا تلك، في بداية الخمسينات، وحتى هذه اللحظة، وواسط كلها تتماوج في حناياي غائمة، شجية، محيرة. لا تبتعد تماماً ولا تقترب بما يكفي. لا غياب يعينني على النسيان، ولا قرب يساعد شمل روحي على الالتئام.

شاعر من العراق مقيم في الإمارات

14