موسكو تغازل أكراد سوريا تمهيدا لإقحامهم في معركة حلب

الخميس 2015/10/29
محاولات لتشكيل تحالف بين الأكراد وقوات النظام تحت مظلة روسية

حلب (سوريا) - تكتسي معركة حلب أهمية بالغة في الصراع الدائر في سوريا اليوم، لا سيما بعد التدخل الروسي الأخير في ساحة الحرب المستعرة في هذا البلد. حيث بدأت الأنظار تتجه إلى ما يسمى اليوم المعركة الكبرى على أراضي المدينة التي تعتبر العاصمة الاقتصادية لسوريا. ففضلا عن التدفق الهائل للأرتال والأسلحة الثقيلة إلى جنوب شرق حلب، تجري روسيا جملة من الترتيبات الجانبية بهدف ضم الأكراد، أحد أبرز المكونات الفاعلة بالمنطقة، إلى حلفها استعدادا لخوض حرب مباشرة.

وتتنافس جميع القوى الرئيسية المتمركزة في سوريا الآن من أجل السيطرة على حلب المدينة الشمالية الرئيسية، وهو ما يجعل خسارة المعركة في هذه المدينة بمثابة الانتكاسة السياسية التي ستضعف الطرف الخاسر، وخاصة نظام بشار الأسد. ولهذا تسعى روسيا الحليف الاستراتيجي للأسد إلى الدخول في مفاوضات تلحق بمقتضاها القوى والفصائل المؤثرة في حلب إلى صفوفها تمهيدا لخوض المعركة بأكبر حد ممكن من الضمانات.

وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، شكلت حلب وريفها ساحة اشتباك مفتوحة بين مختلف الأطراف، دون أن يتمكن أي طرف من فرض سيطرته الكاملة عليها بسبب مساحتها الواسعة وكثرة القوى العسكرية المتواجدة فيها، ولذلك حاولت الأطراف المقاتلة تثبيت مواقع وحدود الاشتباك.

وحسب دراسة لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى فإن الجيش السوري لا يزال يسيطر على ثلث مدينة حلب المرتبط ببقية المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة من خلال طريق ضيق، إلا أن هذا الممر يضيق أكثر فأكثر جراء عمليات تنظيم “الدولة الإسلامية” شرقا، وجبهة النصرة غربا. وبالتالي فإن الفوز في المعركة على حلب، سيتطلب من الأسد التعاون مع حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو بمثابة النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني التركي.

وقد تم الشروع فعليا في تجسيد هذه الجهود، من خلال ما عبر عنه سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي، مؤخرا، عن استعداد بلاده للتعاون مع “المعارضة السورية الوطنية بما فيها الكردية والآشورية”، كذلك مع جميع الدول في مكافحة الإرهاب.

سيرجي لافروف: نحن مستعدون للتعاون مع المعارضة السورية الوطنية بما فيها الكردية

وقال لافروف في حديث بمجلس الدوما الروسي، إن موسكو تتابع عن كثب التطورات الداخلية في صفوف المعارضة السورية المسلحة، بما في ذلك تحالف “قوى سوريا الديمقراطية”، الذي تشكل مؤخرا، مضيفا “إننا نتابع تحركات هذا التحالف، وهو يضم جماعات مسلحة كثيرة، وفي صفوفه العديد من التشكيلات التي لا نعتبرها إرهابية، ومنها وحدات كردية وميليشيات مسيحية آشورية، ونحن مستعدون للتعاون معها”.

وكان ميخائيل بوغدانوف المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط، قد أجرى بدوره، محادثات مع رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي صالح مسلم لمناقشة التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، أفضت عن تصريح لزعيم الحزب عبر فيه عن “إمكانية إنشاء تحالف استراتيجي مع نظام الأسد وروسيا”.

ويقدر بعض الخبراء أن هذه الجهود الروسية ظرفية ولن تفضي إلى أي تحالف استراتيجي، خاصة أنها تتنزل في سياق مغازلة الأكراد لضمان سيطرة حليفهم الأسد على حلب والطريق الرابط بينها وبين دمشق.

ولم تعلن الحرب السورية حتى اليوم عن أي رابح حقيقي عدا الأكراد، الذين استفادوا من انسحاب قوات الأسد من مناطق وجودهم ضمن اتفاق بين الطرفين، ما مكنهم من بسط سيطرتهم على عدة مناطق هامة لا سيما أرياف حلب، وبوأهم مكانة مكنتهم من إنشاء علاقات متقدمة مع عدد من الفاعلين الدوليين وخاصة واشنطن.

لكن انخراط تركيا في عمليات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية، أصاب هذه العلاقات بالتوتر بعد أن استغلت أنقرة استهداف مواقع داعش كذريعة لتنفيذ بعض الضربات ضد عدد من الأهداف الكردية.

وفي المقابل ألقى التدخل الروسي الجديد في سوريا بظلاله على مواقف الأكراد الذين تجمعهم بها علاقة متقدمة جدا خاصة خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وهو ما يوحي بأنّ واقع الأحداث ربما يتجه نحو تفعيل تعاون ما بين الأكراد وقوات النظام في معركة حلب تحت المظلة الروسية.

وعموما فإن معركة حلب بمساحتها وثقلها الديمغرافي الكبيرين، تعدّ من أصعب المعارك التي ستشهدها سوريا منذ اندلاع الأزمة، حيث من الصّعب التّكهن بما ستؤول إليه الأمور، إذ يمكن اعتبارها ساحة مصغرة للصراع الإقليمي والدولي الدائر حاليا في البلاد. وعلى الرغم من أنّ بعض المؤشرات ترجح أن يكون للأكراد دور فعال على حساب بقية الفصائل والمجموعات المسلحة في هذه المعركة لما يتمتعون به من تنظيم محكم ودعم من قبل أكراد العراق وتركيا إلاّ أنّ ذلك لا يعدو أن يبقى سوى محض فرضيات بالنظر إلى تعقيدات المشهد السوري عموما والمشهد الحلبي على وجه الخصوص.

6