موسكو تقترب من محور السلام والتنمية في الشرق الأوسط

مثلّث الإمارات والسعودية ومصر يدعم توجهات روسيا على قاعدة المنافع المتبادلة.
الثلاثاء 2019/10/15
الإمارات نقطة ارتكاز في مساعي موسكو دعم العلاقات الروسية العربية

 فتحت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لكل من السعودية والإمارات أفقا جديدا في مقارباته المتدرجة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تتجاوز حدود عقد الصفقات الاقتصادية والعسكرية، فقد بدت تصريحاته قبيل الزيارة منصبة على فكرتي التنمية وتعظيم المكاسب المشتركة، وتغليب الحلول السياسية كوسيلة للأمن والاستقرار والسلام. الأمر الذي يتماشى مع التحركات الحثيثة التي تقوم بها أبوظبي والرياض، وإذا أضيفت إليهما القاهرة كضلع ثالث، بكل ما تملكه من رصيد تاريخي مع موسكو، ربما تصبح المنطقة مقبلة على تطورات نوعية.

يحاول بوتين ملـء الفراغ السياسي الذي تسبب فيه تذبذب مواقف الإدارة الأميركية وغموضها أحيانا بشأن التعامل مع بعض القضايا الإقليمية. ونجحت موسكو في استعادة لياقتها العسكرية في الشرق الأوسط السنوات الماضية من خلال تدخلها في سوريا وقبضها على زمام أمور كثيرة في الأزمة. وعقدت صفقات تسليحية مع الدول الثلاث، وتطمح لمؤازرة كل ذلك بتحركات سياسية، بدأتها بتفاهمات كبيرة مع مصر ثم عقد تحالف استراتيجي معها، وتجد الفرصة المواتية لاستكمال المسيرة مع حليفي القاهرة؛ الإمارات والسعودية.

يرفع التعدد الظاهر في العلاقات الدولية الحرج عن جميع الدول ويسمح بالانفتاح، فلم يعد التحالف مع دولة في الغرب يحول دون التحالف مع أخرى في الشرق أو العكس. ووفر هذا التطور في الأدبيات السياسية مزايا كثيرة لبعض الدول التي كانت ترهن علاقتها بدولة كبرى واحدة تقريبا، وتجد مأزقا في مدّ خطوطها مع أخرى منافسة. والأكثر من ذلك أنه يمكن التقارب والاختلاف في آن واحد مع قوة كبرى أو متوسطة أو صغرى في أزمة بعينها، بما لا يفسد العلاقة الودية ويدخلها أقبية مختلفة.

تقرب القمة الروسية-الأفريقية يومي 23 و24 أكتوبر الجاري في موسكو بوتين من أزمات القارة الأفريقية، التي هي محل اهتمام كبير من السعودية والإمارات ومصر

كشفت الأزمة السورية وتعقيداتها، والمواقف الإيرانية المستفزة، عن جوانب معتبرة في هذا التوجه، حيث أيدت موسكو مواقف وعارضت أخرى قامت بها دمشق أو طهران. ولاحظنا أن واشنطن تشجب وتفاوض وتماطل، وما إلى ذلك من تصرفات تبدو متناقضة، غير أن التعامل معها بصورة عملية، ومن واقع ما هو حاصل على الأرض، يوحي بتراجع مكونات التباين الجذري، وإمكانية استيعاب التغير في إطاره الصحيح.

كسر بوتين، وغيره من الساسة في العالم، حلقات رئيسية في هذا المضمار، خففت العبء على بعض الدول، وشجعت قادتها للدرجة التي صارت فيها علاقات كل من الإمارات والسعودية ومصر ممتازة بالتوازي مع كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهو ما فتح الباب للحديث بارتياح عن تقدم ملموس سوف تشهده علاقات موسكو في المنطقة من دون أن يؤثر ذلك على الثوابت المعروفة مع واشنطن وغيرها.

يرتهن جزء من التحولات العالمية بقدر المساهمة المادية في حقلي التنمية والسلام، ويملك بوتين رغبة كبيرة في تعزيز دوره الإقليمي عبر تحركات تقود باقتدار إليهما. فلا يكتمل عقد الدور القائد لأي دولة كبيرة بعيدا عن مشاركة واضحة في المجالين الواسعين. ولدى موسكو نوايا وإرادة وعزيمة للدخول فيهما، ومحاولة إخماد الحرائق المشتعلة التي أفضت إلى التدهور في مفاصل كليهما.

نحو مستقبل أفصل بالمنطقة
نحو مستقبل أفصل بالمنطقة 

ولن تجد روسيا أفضل من الدول الثلاث، الإمارات والسعودية ومصر، كقواعد أساسية يمكن الاعتماد عليها، بحكم ارتفاع منسوب الأمن والاستقرار في كل منهم، وتصاعد الأدوار الإيجابية في أزمات مختلفة. وظهرت بصمات أبوظبي والرياض في منطقة القرن الأفريقي من خلال تحقيق السلام بين إثيوبيا وإريتريا، والبحث عن الهدوء في الدول المجاورة، وتشجيع المشروعات التنموية ذات العوائد المجدية في مناطق مختلفة، وتقويض الدور الذي تلعبه بعض الدول لصالح تنظيمات متطرفة وحركات إرهابية عابرة للحدود.

يضم الرئيس الروسي صوته مع القوى الداعمة للتنمية والساعية لتحقيق السلام، لأنها تصب في البوتقة ذاتها التي بموجبها يمكن فهم الكثير من تحركاته في أزمات عديدة. وهي تصورات جيدة تحلم الدول التي تتبناها في تزايد انتشارها، الأمر الذي يحتاج إلى تكاتف واسع، يستطيع تكتيل ما يسمى “تحالف التنمية والسلام”.

ويضم هذا التحالف جميع الأطياف التي تعمل من أجله. وفي المقدمة الإمارات والسعودية ومصر، حيث تمتلك كل دولة تجربة رائدة وطموحة في هذين المجالين، ويتخذون منهما طريقا للدفاع عن المصالح الاستراتيجية في الداخل والخارج من غير جور على أي طرف.

يستلزم تعزيز هذا الطريق تعبيدا سياسيا من قبل قوى كبرى، وتنازلا عن قدر من التصورات الفردية التي حكمت العالم فترات طويلة في هذه القضايا، ربما تكون هناك تحالفات إقليمية منتشرة في مناطق كثيرة، لكن تظل المشاركة في الربط بين فكرتي التنمية والسلام محدودة. فغالبية الدول التي تهتم بالتنمية تقوم بها خدمة لأهدافها، وتغض الطرف عن معنى السلام. كما أن من يهتمون بالأخير تتوقف خطواتهم عندما تتحقق أغراضهم، بصرف النظر عن المعوقات التي تعتريه جراء عدم مرافقته بمشروعات تنموية.

قد يكون الجمع بينهما قضية صعبة في عالم حافل بالصراعات والنزاعات التي تتغذى عليها قوى وجماعات متنمرة، تواجه أي محاولة جادة للتنمية المشتركة والسلام الدائم بمصدات متنوعة للتخريب والتدمير واستمرار الفراغ.

بوتين يستثمر الرخاء الأمني والإقتصادي
بوتين يستثمر الرخاء الأمني والإقتصادي 

غير أن وجود مشروع تدعمه روسيا يمكن أن يتجاوز بعض التحديات، خاصة أن النواة التي وضعتها دولة الإمارات العربية تحديدا، أحرزت نجاحات متفاوتة، وتتماشى مع توجهات الراغبين في تسوية الكثير من الأزمات على قاعدتي التنمية والسلام، والتي يؤدي استثمارهما إلى منح موسكو فرصة لشد عودها في منطقة غابت عنها أدوارها السياسية الملموسة مقابل هيمنة طاغية من واشنطن، وبما يتوافق في النهاية مع طموحات تجد فيها ضلعا للأمن.

تميل  التصورات التي تبناها بوتين قبيل زيارته للسعودية والإمارات نحو صيغة قريبة من ذلك، وانتقى مفردات خطابه بعناية أكدت عمق التفاهم مع القيادة في البلدين (السعودية والإمارات) واقتناعه برشادتها الاقتصادية والسياسية، والرهان على تطوير العلاقة معها بما يخدم المصالح المشتركة ويهيّء الأجواء للاستقرار.

تقتنع موسكو أن التنمية والسلام يحتاجان أذرعا وأجنحة لحمايتهما، وهو ما جعل بوتين لا يتوقف عن مسايرة ما يمكن وصفه بـ”سباق جديد للتسلح”، وألمح إلى أن بلاده تمتلك “أسلحة غير موجودة في أي دولة بالعالم”، كما أن محور الإمارات والسعودية ومصر لم يتوان عن تطوير معداته العسكرية، وتزويد جيوشه بأحداث الأسلحة والتكنولوجيا، وكانت روسيا واحدة من الدول التي يمكن الاعتماد عليها، خاصة بالنسبة إلى القاهرة، بما يؤكد أن الاهتمام بالتنمية والسلام في الإقليم يأتي من منطلق قوة وليس ضعفا.

عند هذه النقطة الواقعية تلتقي الكثير من أهداف موسكو مع الدول الثلاث، والتي يمكن أن تتحول إلى إجراءات الفترة المقبلة. فروسيا المعنية بأمن الخليج تدافع عن مقترحات خلاقة (أوبك+) بشأن أمن الطاقة، وتريد تبني أطروحات للتسوية السياسية في الأزمات المتصاعدة مع طهران وفروعها المتشعبة في المنطقة، تنسجم أجزاء كبيرة منها مع تشديدات أبوظبي والرياض على رفض اللجوء إلى العنف وتغليب الحلول العادلة. وباتت المواقف تتقارب في الكثير من المقاطع السياسية في الأزمة السورية.

وتقرب القمة الروسية-الأفريقية يومي 23 و24 أكتوبر الجاري في موسكو بوتين من أزمات القارة الأفريقية، التي هي محل اهتمام كبير من الدول الثلاث (مصر والإمارات والسعودية)، واستضافة القمة لأول مرة وفي هذا التوقيت تحمل دلالات دقيقة يشير محتواها إلى أن روسيا لن تصبح مكتوفة الأيدي أو بعيدة عما يجري في أنحاء أفريقيا، وما يتطلبه ذلك من استعدادات لتبريد صراعات باتت عملية وقفها على صلة قوية بمشروعات التنمية الواعدة والسلام الطامع في توفير الاستقرار.

6