موسم الانتحار

الخميس 2014/12/11

تعتبر هذه الفترة من السنة موسم الانتحارات في أوروبا. ينتحر فيها الناس هربا من احتفالات الكريسماس ورأس السنة، وخوفا من أن يقضوها وحيدين. المنتحرون، في الغالب، من الذين يعانون الوحدة والعزلة ويعيشون على هامش المجتمع. هؤلاء يتحملون عزلتهم طوال السنة، لكنهم لا يتحملونها في الاحتفالات.

أشهر أنواع الانتحارات في هولندا، هي أن يلقي الشخص بنفسه أمام قطار. ممارسة شبه يومية في مثل هذا الوقت من العام، تشبه الطقس أو التقليد السنوي.

في مثل هذه الأيام تتعطل خطوط سكك الحديد، وتتعالى أبواق المحطات معلنة عن توقف خط ما بسبب انتحار أحدهم أمام قطار.

منذ سنوات لم يكونوا يعلنون عن التفاصيل. يقولون فقط: “بسبب حادث”، ويتركون لك حرية التفكير في أن يكون الحادث مع كلب مثلا (من شأن هذا أيضا أن يوقف حركة القطارات لساعات) أو مع بشر. لكنهم في الأعوام الأخيرة يكتبون على اللوحات الإلكترونية بوضوح أن المنتحر من “فصيلة” البشر.

يتلقى سائقو القطارات دورات نفسية كثيرة بعد كل عملية انتحار تحدث أمام أعينهم، وهناك من يعتزل العمل نهائيا، إلا أن أغلبهم يتمكنون من تجاوز الكابوس، والاستمرار في قيادة آلة الموت.

لا أحد يعرف لماذا يفضل الهولنديون القطار، لكن أظن أن لذلك علاقة بجيولوجية البلد، وبنيته التحتية، ففي سويسرا مثلا، ينتحر الناس بإلقاء أنفسهم من فوق الجسور العالية التي تربط بين الجبال.

القطار، سريع ومنظم في هولندا، وخط سيره منبسط، إضافة إلى أنه أهم وسيلة نقل على الإطلاق، وبحكم صغر مساحة البلد، فإن سكان هولندا لا يهتمون كثيرا بالمسافة التي تفصل بين مقر سكناهم ومقر عملهم، فهي مهما تباعدت لن تتجاوز الساعة والنصف بالقطار. لهذا السبب تتميز هولندا بشبكة قطارات هائلة ودقيقة، وحركة مسافرين ضخمة.

ربما يرغب المنتحر أن يُشهد أكبر عدد ممكن على موته، أن يوقف المسافرين ويعطل السكك ويؤخر الناس عن مواعيدهم، والأمهات عن أبنائهن، والمدراء عن اجتماعاتهم، والطلبة عن جامعاتهم، وعمال المصانع عن ماكيناتهم، والأطباء عن مرضى يتألمون، فيزيد من ألمهم.

ربما يريد أن يقول للعالم الذي لم يكن يشعر بوحدته وعزلته، إنه عاش وحيدا، لكنه مات ميتة مدوية أوقفت سيرهم وعطلت حياتهم. أو هو الانتقام من المجتمع الذي دفعه إلى دهاليز نفسه فتحول لخفاش يخشى الضوء ويتحاشاه.

من هذه القناعة، أصبح المجتمع يتعامل مع المنتحر أمام القطار بلامبالاة تقريبا، في رد فعل عكسي لإثنائه عن بلوغ الهدف الذي يرغب في بلوغه بقتل نفسه تحت أعين الآلاف ومسامعهم. بسرعة شديدة تلملم السكك نفسها، وتستعيد المحطات قواها، وتدب الحياة مجددا في عالم يتحرك بلا توقف. ويتقدم بلا تراجع.

لماذا أحدثكم عن الانتحار في أيام يفترض فيها الفرحة والبهجة؟ لأقول لكم، استمتعوا بالحياة، لأنها أجمل من أن نرفعها، ورقة احتجاج، في وجه من آلمونا، أجمل من أن نبعثرها أمام أحدهم لنقول له، لماذا تركتنا وحيدين؟ الوحدة نابعة من داخلنا، ولا ذنب لأحد فيها. الوحيدون وحيدون وإن كانوا وسط آلاف البشر.

إنها خطوة واحدة، تلك التي يجب أن نخطوها خارج أنفسنا، لنستعيد سعادتنا وحبنا للحياة. خطوة واحدة صغيرة خارج أنفسنا، وليست قفزة كاملة في الهواء أو أمام قطار. كل عام وأنتم بألف خير!

21