موسم الحمق وزبيدة

أنا لا أتحدث عن صحافة حمقاء وكتاب سفهاء ومهاترين، بل عن أقلام لها باع ورؤساء تحرير. يبدو أن الناس صارت لا تطيق حدثا محدودا وتريد لكل شيء دلالات كونية.
الثلاثاء 2018/03/06
هذا الإسقاط الشاسع اللا معقول له صدى ورواج

من ضمن الحماقات الكبرى التي يرتكبها الإنسان بشكل دوري هي تلك الناتجة عن القراءة الخائبة والقياس الفاسد تماما. فاسد بمعنى أن ترى فأرا يأكل ورقا فتستنتج أن فلانا عامل مجد ومتفان، كما سنرى.

الحماقة الدورية التي أتحدث عنها وقعت الأسبوع الماضي. الحكاية هي أن البي بي سي أعدت ونشرت تقريرا عن الاختفاء القسري في مصر ومواضيع ملحقة عن حقوق الإنسان والتعذيب وبقية المتلازمات المعروفة. التقرير أتى على ذكر مختفين ومسجونين. ظهرت في التقرير امرأة حكت عن اختفاء ابنتها، وتدعى زبيدة منذ نحو عام.

بعد أيام من نشر التقرير استضاف الإعلام المصري زبيدة المذكورة في تقرير البي بي سي والتي قالت إنها تعيش بسلام مع زوجها وليست موقوفة لدى السلطات. كل هذا ممكن ومعقول ويؤشر على وجود خطأ ما لدى البي بي سي أو الإعلام المصري. الحكاية لا ينبغي أن تذهب إلى أبعد من هذا.

القياس الفاسد أطل برأسه فورا. كان لابدا متحفزا ينتظر، فما كل يوم يسمح بارتكاب حماقة. فور ظهور زبيدة انطلقت الأقلام والإذاعات تقول “لا يوجد اختفاء قسري ولا تعذيب ولا معتقلون”. كل هذا لأن زبيدة تعيش مع زوجها ولم تختف قسريا. هذا الإسقاط الشاسع اللا معقول له صدى ورواج. وأنا لا أتحدث عن صحافة حمقاء وكتاب سفهاء ومهاترين، بل عن أقلام لها باع ورؤساء تحرير. يبدو أن الناس صارت لا تطيق حدثا محدودا وتريد لكل شيء دلالات كونية.

في عام 2004 سرت همهمات ولغط عن أن القوات البريطانية المشاركة في غزو العراق منغمسة في اعتداءات وأعمال تعذيب ضد مدنيين عراقيين. انطلق سباق بين أشهر المتنافسين في الصحافة الصفراء لنشر كل جديد في هذا السياق. هنا، نشرت الديلي ميرور صورا لجنود بريطانيين يركلون ويهينون عراقيا معصوب العينين.

سرعان ما اتضح أن الصور مزورة وأن من يظهر فيها ممثلون. كتيبة القياس الفاسد هبت فورا لتقول لنا “لا يوجد تعذيب وسوء معاملة للعراقيين”، لمجرد أن صور الديلي ميرور مزيفة.

لنتصور أن موظفا سيئا يجتمع به مديره ليوبخه. المدير يتهمه بالكذب والاحتيال والنشاط في ساعة الخروج فقط. أثناء كلام المدير يلاحظ الموظف فأرا في ركن الغرفة يقرض ورقا. يقول للمدير هناك فأر يا سيدي في الغرفة. لا يصدقه المدير لكنه يدقق النظر فيرى الفأر يقضم الملفات فيقول “هناك فعلا فأر. يا عزيزي أنت صادق ومجد في عملك”. هذا منطق المتعاملين مع موضوع زبيدة.

24