موسم السفر إلى النجف وزيارة الولي الفقيه

الخميس 2014/11/20

هل هي مصادفات عابرة أم ترتيبات مسبقة أن يتوجه رؤساء الجمهورية فؤاد معصوم والحكومة حيدر العبادي والبرلمان سليم الجبوري وقبل أن يباشروا زيارات إلى إيران والسعودية بيوم واحد بالذهاب إلى النجف واللقاء مع المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني وأخذ بركاته وتلقي نصائحه وربما تحذيراته، مما يوحي بأن الحكم الحالي في العراق سائر أو في طريقه إلى إقرار صيغة (مُحسّنة) لنظام الولي الفقيه قد يختلف في شكله مع السائد الإيراني.

وصحيح أن من حق الرؤساء معصوم والعبادي والجبوري زيارة آية الله السيستاني في أي وقت يرونه مناسبا لهم وله، ولكن توقيتات زياراتهم بحيث تكون قبل يوم واحد من توجههم إلى الرياض وطهران، تعطي انطباعا بأنهم ينقلون رسائل من (السيد) إلى قيادتي البلدين، أو أنهم يريدون إشعار الجمهور العراقي بأن زياراتهم إلى السعودية وإيران وما بينهما من تناقضات سياسية واختلافات مذهبية تحظى بقبول ورضا المرجعية الشيعية العليا وخصوصا السعودية وهي الدولة التي تعرضت إلى اتهامات وهجمات من رئيس الحكومة السابق وزعيم حزب الدعوة نوري المالكي وما تزال قنـاة (آفـاق) الفضائية الناطقة باسم الحزب تتعمّد نشـر أخبار (داعش) مقرونة بـ(الوهابية) رغم أن الداني والقاصي يعرف حجم الخلاف العميق بين السعودية وتنظيم الدولة الإسلامية ومستوى العداء بينهما.

معصوم الكردي يقابل السيد السيستاني قبل ساعات من توجهه إلى الرياض والعبادي الشيعي يلتقي سماحته وينطلق من عنده إلى طهران وينطبق الأمر نفسه مع رئيس مجلس النواب السني سليم الجبوري وهو يغادر إلى السعودية، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هل ستتكرر زيارات الرؤساء الثلاثة الذين يمثلون قمة الحكم في العراق إلى المرجع الشيعي قبل زياراتهم المقبلة إلى الدول الأخرى، أم أنها محصورة بالسعودية وإيران فقط باعتبار أن الدولتين جارتان للعراق ومعنيتان به ومختلفتان بشأنه.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا بشأن زيارات معصوم والعبادي والجبوري إلى المرجع الشيعي قبل سفراتهم إلى الرياض وطهران، ولكن زيارات الثلاثة واثنان منهم ليسا شيعيين وليسا مقلدين له، فإنها تثير حساسية شئنا أم أبينا لدى فئات واسعة من المجتمع العراقي الذي قسمته واشنطن وطهران والسياسيون المحسوبون عليهما إلى مكونات طائفية وعرقية منذ نيسان (إبريل) 2003 وخصوصاً لدى السنة العرب الذين في قلوبهم الآن غصة من فتوى السيستاني بتشكيل ما يسمى بقوات (الحشد الشعبي) الذي ثبت أنها ميليشيات شيعية طائفية مهمتها التنكيل والتقتيل بالسنة العرب وتهديم بيوتهم وتهجير عوائلهم ولم يسلم من تهديداتها وسرقاتها وذبحها حتى ذوي ضحايا داعش، وما حصل في جرف الصخر وسامراء ومحافظة ديالى من فظائع وأهوال يوازي جرائم داعش وفي بعض الأحيان تتفوق عليها، ولعل أبرز مثال على ذلك أن سوقا ما تزال قائمة في مركز قضاء المسيب شمال محافظة بابل تباع فيه غنائم المليشيات الشيعية من آهالي جرف الصخر الذين نكبوا مرتين؛

مرة بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على بلدتهم ومرة ثانية عند احتلال المليشيات الشيعية لها، وإذا كان داعش قد طارد منتسبي الشرطة والجيش والموظفين الحكوميين في المدينة ولم يتعرض إلى ممتلكات سكانها البالغ عددهم 80 ألف نسمة، فإن المليشيات التي قادها الجنرال الإيراني قاسم سليماني لم تبق بيتا إلا ونسفته ولم يسلم بستان من التجريف ولم تبق بحيرة أسماك إلا وجفّفت، وتوجت هذه الإجراءات الطائفية بإعلان مجلس محافظة بابل رسميا إخلاء المدينة ومنع عودة أبنائها الذين شردهم داعش، والغرض واضح يكمن في إحداث تغيير ديمغرافي فيها، ولا غرابة بعد ذلك في خطف العضو السني العربي الوحيد في مجلس المحافظة عكاب الجنابي ورئيس المحكمة الاتحادية في المحافظة القاضي إبراهيم الجنابي وقتلهما ورمي جثتيهما في إحدى السواقي المهجورة، وتحية لأهالي المسيب الأصلاء الذين تعففوا عن شراء ممتلكات أخوانهم في جرف الصخر المنهوبة رغم تدني أسعارها وتركوها لأصحاب النفوس المريضة الذين جاءوا من طويريج وكربلاء واشتروها برخص التراب.

إن مكانة السيد السيستاني تحظى بالاحترام من لدن قطاع واسع من العراقيين ولديه مقلدون شيعة كثيرون وكذلك محبون من أهل السنة أيضا، ولكن سكوته على انتهاكات المليشيات الشيعية ووحدات الحشد الشعبي ضد المواطنين الأبرياء في المناطق والمحافظات السنية، يترك حسرة في النفوس، فلم نسمع من وكيليه الشيخين عبدالمهدي الكربلائي وأحمد الصافي تنديدا بتلك الممارسات ولم تصدر فتوى من حوزته تمنع سرقة بيوت السنة وحظر (فرهود) الميليشيات لها، وقد باتت حديث الشارع العراقي. وهناك خشية من وجود أجندة مبطّنة لدول وجهات مغرضة تسعى إلى دفع السنة العرب في العراق للارتماء في أحضان الدولة الإسلامية والقبول بمرها على أساس المثل الشعبي الذي يقول: (اشجابك على المر غير الأمر منه) والمعنى واضح.

نقدر السيد السيستاني الذي أجاب على رسالة الحاكم الأميركي بول بريمر الذي أراد الاجتماع به في نهاية 2003 لبحث الأزمات في العراق ورد عليه: أنت أميركي وأنا إيراني، فلنترك شؤون العراق للعراقيين، ونحترم رغبته عندما رفض قرار مجلس محافظة النجف السابق بمنحه الجنسية العراقية اعتزازا بجنسيته الإيرانية، فهذه مواقف تسجل له وتعزز صدقيته وعفّته والمطلوب منه كفقيه ومرجع أن ينأى بنفسه من شراك الحكام والسياسيين وكمائنهم الانتفاعية، ويُنهي عن ممارسات عصائب الخزعلي وميليشيات هادي العامري وكتائب حزب الله وقوات ما يسمى بالحشد الشعبي ضد المواطنين الأبرياء، ليبقى ذخرا لجميع العراقيين وليس للشيعة فقط.


كاتب سياسي عراقي

9