موسم المعارض العربية

الخميس 2017/11/09

مع موعد نشر هذا المقال سيكون معرض الكتاب في الجزائر قد انتهى ولم يبق سوى يومين لانتهاء معرض الشارقة الدولي، وقبلهما أغلق معرض الكتاب في عمّان أبوابه، وستأتي معارض بيروت والقاهرة وسلطنة عمان والرياض والكويت والسودان وغيرها، وسيكون الشتاء القريب كالعادة موسماً للكتب العربية في إصداراتها الجديدة والقديمة، وستلتحق عشرات الأسماء لمتابعة إنتاجاتها الأدبية بمجساتها الشخصية وما توفره شبكات التواصل الاجتماعي من تواصل حي مع المعارض، حتى لتبدو الصورة الظاهرة جماعية في غالبيتها بين المنتج (المبدع) والوسيط (الناشر) والمستهلك (القارئ) في هذا المثلث المستحكِم بالعملية الكتبية وصناعتها وتبويبها وتسويقها.

بغياب الناقد صار “التوزيع” بعضَ الحل وصار “الإعلان” بعضَه أيضاً وصار الترويج في كل منافذ شبكات الاتصالات بمسمياتها المختلفة شيئاً مطلوباً لتخفيف الغياب النقدي في الثقافة العربية عموماً، ويبدو أن القارئ النوعي حلّ (مؤقتاً) محلّ الناقد المتواري عن الكتابة؛ وهذا أمر نكاد نلمسه بوضوح في معظم المعارض العربية التي تسنى لنا حضورها أو المشاركة فيها. حيث تمكن القارئ العربي من أن يستحوذ على دور النشر العربية، وربما في بعض الأحيان يوجهها طبقاً لمتطلبات السوق المستهلِكة، وبدا هذا جلياً في الإقبال على الرواية العربية والمترجمة، مع تحفظنا على بعض الفقرات في هذا الموضوع من الناحية “الترويجية” السهلة التي يمارسها بعض الروائيين بأسماء مستعارة عبر مواقع تخص الشأن الروائي ومحاولتهم استمالة القارئ وتشجيعه أو بالأحرى تضليله؛ وسبق أن تحدثنا عن هذا الإيهام أكثر من مرة في هذا الفضاء المفتوح.

وفي موسمٍ كهذا ينتظر القارئ العربي في كل مكان دور النشر التي تعلن عادة عن جديدها الإبداعي مستثمرة الكثير من المعطيات وأهمها شيوع ذائقة القراءة العربية التي تسببت بها الكثير من شبكات التواصل الاجتماعي وحفزت الشباب على العودة إلى القراءة، بالرغم من أن بعض مراكز الأبحاث العربية تشير عادة الى تدني المستوى القرائي للفرد العربي قياساً بالقارئ الغربي، لكن الواقع الميداني الموسمي يشير إلى أن للمعارض العربية المستمرة دورها التعليمي والتثقيفي في إشاعة القراءة وتسهيلها بين العامة، وهذا أمر لم نقرأ عنه متابعات بحثية جادة سوى تلميحات صحفية تظهر في مثل هذه المواسم الكُتبية في “حصر” النوع القرائي الذي يفضله القارئ العربي، وهو النوع الذي يتراوح بين السرديات الروائية بشكل عام كظاهرة عالمية، والأبحاث العميقة والرصينة في منظومات الأديان وتحليلها وتفكيك آلياتها، لا سيما بعد ثورات الربيع العربي الفاشلة التي أدخلتنا في دهاليزها السوداء. تُضاف إليها كتب الأطفال وصناعتها وهي الجوكر الذي يستمر بالرغم من الظروف كلها.

موسم المعارض العربية فرصة ثقافية وعلمية لمراكز الأبحاث العربية لأن تخلق تواشجات بينها وبين القارئ العربي عبر استبيانات مركزة في تحديد الهوية القرائية ومتابعتها سنوياً وتأشير أهميتها بين الأجيال التي تعيش حالات سياسية فوضوية انعكست بلا شك على أدائها العام ، ولرسم الخطوط البيانية الصاعدة أو النازلة لما يهتم به القارئ ويلجأ إليه في التثقيف الذاتي، وهذا أمر مهم في سياق بناء شبكة معلوماتية عربية مستقبلية تعني الدارسين والباحثين والأكاديميين وتحديد المستويات الثقافية لجماهير البلاد العربية، والقراءة أحد المستويات المطلوبة في هذا التحديد.

تكشف المعارض دائماً الحجم المعرفي لدى دور النشر؛ وهي أحجام معرفية مختلفة ومتعددة الأوجه فيما بينها، ومع أن الأمر لا يخلو من هاجس تجاري، وهو مشروع، إلا أنّ هناك دور نشر غايتها المعرفة وآفاقها ومستجداتها، وهي قليلة طبعاً، تقابلها دور نشر خفيفة جداً، تلك التي تنشغل بالتجاري أكثر من الثقافي، وبالاستهلاكي أكثر من النفعي الباقي الذي يُنتج ذائقة ثقافية لا غنىً عنها.

كاتب عراقي

14