موسم الهجرة إلى الذات

بعد فضيحة بيع عشرات الملايين من بيانات المشتركين في فيسبوك، وفي موسم الهجرة من وسائل التواصل الاجتماعي، تبدو الحكايات في الكتب والسينما وفي شفاه الناس عالما أهم لا نهاية له.
الجمعة 2018/04/06
نوع آخر من الإرهاب

تقول الحكاية الفرنسية إن نيكولا الذي يدير المشاريع الفنية اهتدى إلى فكرة تأسيس فرقة غنائية مكونة من راهب مسيحي وحاخام يهودي وإمام مسلم، ليغني الثلاثة عن التعايش.

فكرة رائعة يا نيكولا. لكن دعنا نراك وأنت تطبقها.

القساوسة رفضوا المشاركة في هذه الفرقة العجيبة. أما الأئمة فقالوا لنيكولا: هل أنت مجنون؟ ألا تعرف أن الموسيقى حرام؟ حرام! أين ورد هذا؟ سألهم. أما حياة الحاخامات اليهود فهي خشنة منذورة للشريعة الموسوية والاستيطان في أرض الميعاد.

غير أن نيكولا عثر أخيرا على قسيس خجول يرغب في ترميم كنيسته، ما اضطره إلى الموافقة. أما الحاخام الوحيد المناسب الذي وجده نيكولا فقد كان مكتئبا. جلبوه قبل سنوات ليحيي حفل طهور ابن تاجر يهودي. ولكونه فقيرا فقد ادعى في تلك الليلة أنه ”موهيل” وهو الشخص “المؤهل” لإجراء عملية الختان من أجل بعض النقود. لكن المسكين زلّت يده وأفسد الحفل وانتقل الناس إلى المستشفى، وانتهى مستقبله الشرعي. بقي منه فقط حاخام سابق حزين يرتدي ثيابه السوداء ويشعر بالذنب، يقضي أيامه في محاولة معاقبة نفسه بذات الأسلوب. ولا يبقيه حيا سوى قطارة أنف ملأها من مياه البحر الميت لتذكره بأرض الميعاد إذا أصابه الضعف.

وجد نيكولا مطربا عربيا مسلما يغني في مطعم فقير في باريس، فاقدا لكل أمل هو الآخر. فأقنعه بأن يرتدي طاقية بيضاء ويقوم بدور الإمام رغم أنه أبعد ما يكون عن هذا، فوافق بسبب حاجة والدته إلى المال.

كان إخفاق كل منهم في تقديم صورة ملائمة متوائمة مع الآخرين فيه دمار للآخرين ودمار للذات. لا مفر إذا. وقع القسيس في حب سكرتيرة نيكولا التي وضعت المواد المهلوسة للحاخام في قطارة أنف الماء المقدس، بعد أن ترك الجميع الإمام يأخذ راحته يمينا وشمالا حتى يُبدع.

وبعد فضيحة بيع عشرات الملايين من بيانات المشتركين في فيسبوك، وفي موسم الهجرة من وسائل التواصل الاجتماعي، تبدو الحكايات في الكتب والسينما وفي شفاه الناس عالما أهم لا نهاية له.

باتت تلك الوسائل نوعا آخر من الإرهاب. خلطت التقنية بالتحريم. حتى أصبح الامتناع عنها نوعا من الكفر بالتكنولوجيا الحديثة، بينما هي في الواقع منتج للاستهلاك، فيه من الضرر ما قد يتجاوز ما فيه من النفع، وفيه قلب قسري للمنجز البشري الفردي والجماعي الذي يسمى “التفرد”.

خلط نيكولا في فرقته الأديان الثلاثة، ونجح، رغم التناقضات، فقط حين أنشأ صداقة حقيقية في ما بين الحاخام والراهب والإمام. ولم تنجح وسائل التواصل في تحقيق هذا لأنها لم تكتشف وصفة نيكولا السرية؛ البعد الإنساني الذي يجعل هذا مختلفا عن ذاك.

24