موسم الهجوم على الرئيس السيسي

الاثنين 2015/05/04

انتقاد الشخصيات السياسية في مصر يشبه زراعة الفاكهة بالصورة التقليدية، لها مواسم معينة تظهر وتختفي فيها، حسب الظروف المناخية التي تسمح بازدهار فاكهة واختفاء أخرى، لكن عندما حدثت ثورة الجينات الوراثية وزادت حركة التبادل التجاري بين دول الشمال والجنوب، أصبحت الفاكهة موجودة على مدار العام.

هكذا كان الهجوم على أي شخصية بارزة في مصر مرتبطا بمواسم الانتخابات، بهدف تكسير العظام وتصفية الحسابات، والآن بعد أن انتقلت الجينات الوراثية إلى عالم السياسة والإعلام، بات من الصعوبة تحديد موسم معين لازدهار أو خمول الانتقادات، لأنها تتوقف على شبكة معقدة من التقديرات، وصلت إلى درجة الانقلاب في المواقف والثوابت، فالمؤيدون يمكن أن ينتقلوا بسهولة إلى مربع المعارضين أو العكس، وفقا لأجندة غير مفهومة ترسمها خريطة متشابكة من المصالح.

خلال الأيام الماضية ظهرت معزوفة في بعض وسائل الإعلام انتقدت، فجأة، الأداء العام للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وأول ما يلفت الانتباه في أسماء العازفين أنهم من المحسوبين على كفة الرئيس، وكانوا من أشد المناصرين له طوال الأشهر المنصرمة، والنقطة الثانية أن المقطوعة التي شرع هؤلاء في عزفها، جاءت بعد أن تمكن نظام السيسي من تخطي جزء معتبر من العقبات والتحديات، فبدت الحملة في نظر كثيرين كأن وراءها أغراض سياسية.

المتابع لخريطة المعارضين للسيسي يجد أنها تتكون من ثلاثة أقسام رئيسية، الفريق الأول يمكن وصفه بالمعارضة الأيديولوجية التي أخذت موقفا صامدا من رفض السيسي ونظامه، وهي جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها التقليديين والمتعاطفين معهم، والثاني يضم جناحا في التيار المدني يرفض، على الدوام، تقبل فكرة رئيس ينحدر من خلفية عسكرية، سواء كان السيسي أو غيره، وغالبية أعضاء هذا الجناح تندرج تحت بند المعارضة الوطنية، تختلف حول المبدأ وليس الشخص.

أما أعضاء الفريق الثالث، فهم ممن كانوا يراهنون على حدوث إنجازات سريعة يحرزها الرئيس، تساهم في حل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتحقق قدرا واضحا من العدالة الاجتماعية، فبدأوا الانسحاب من خانة المؤيدين، والانضمام إلى مربع المعارضين بغير صخب.

هذا الفريق يضم قطاعا عريضا من المواطنين البسطاء، تراجعوا عن دعم السيسي لأسباب تتعلق أصلا بالبطء في تحقيق الإصلاحات، وربما تكون دوافعهم مفهومة، لكن المثير للانتباه أن هذا الفريق يضم الآن أسماء لامعة خاضت معارك سياسية وإعلامية ضارية لمساعدة السيسي في الوصول إلى سدة الحكم، ولعبت دورا مهما في تحطيم معارضيه معنويا.

في تقديري هناك أربعة تفسيرات أساسية تساعد على فهم التغير المفاجئ في مواقف هؤلاء، قد تتقدم أو تتأخر، لكنها في النهاية مجتمعة أو منفردة، يمكن الاستناد عليها لتبرير التحول الواضح لدى غالبية أعضاء هذا الفريق.

الأول أن الانتقادات الحادة التي توجه للرئيس السيسي شخصيا من قبلهم تمنح نظامه شكلا ديمقراطيا، عقب التعرض لاتهامات من جانب منظمات حقوقية دولية قالت أنه قام بـ”التضييق على الحريات”، بالتالي فالسماح لمثل هؤلاء بشن هجوم على الرئيس ينطوي على رسالة معاكسة للاتهامات التي توجه إليه في هذا المسار، رسالة تقول أنه يفتح الباب للانتقادات، ويرفض أن يوصده أمام الحريات.

الثاني أن النقد اللاذع الذي جاء من قبل مقدمي برامج تليفزيونية من قبيل سد الفراغ وجريا وراء الإثارة الإعلامية، بعد أن تراجعت نسب مشاهدة “التوك شو” في مصر، وهي محاولة لاستعادة جزء من الجمهور الذي بدأ يكفر بهذه البرامج التي درجت على مدح الرئيس، في كل كبيرة وصغيرة، وإذا نجحوا في هذه الخطة، يستطيعون تمرير ما يريدونه لصالح برنامج الرئيس، فهم في النهاية من أشد مناصريه.

الثالث أن القراءة السياسية للانتقادات، تؤكد أنها ليست منفصلة عن المعركة التي تدور رحاها في صمت، بين طبقة من رجال الأعمال والرئيس السيسي، تريد الأولى أن تضع العراقيل أمامه حتى يظل مشغولا، ولا يتمكن من التفرغ لمواجهتهم وقصقصة أجنحتهم الاقتصادية، حيث حصل عدد كبير منهم على مزايا إبان عصر حسني مبارك ويريدون الحفاظ عليها وعدم المساس بها، كما يسعى هذا الفريق إلى دخول اللعبة السياسية بشروطه، ويجهز للسيطرة على البرلمان القادم، من خلال عملية تمويل منظمة وسرية لمرشحين يدينون بالولاء لهم.

وقد قام بعض الإعلاميين بدور رأس الحربة في هذه المعركة المحتدمة، حيث يعملون في قنوات يملكها رجال أعمال لديهم طموحات سياسية، ويريدون تجهيز المسرح ودخوله بقواعدهم، لا بشروط الرئيس، والذي تبدو قبضته في نظر البعض مرتخية أو مكبلة نحو اتخاذ إجراءات، تعيد على الأقل ما سلب دون سند قانوني، لذلك فالمعركة، وفقا لهذا التفسير، تنتظرها حلقات وعرة من الشد والجذب.

الرابع أن معظم القائمين على حملة الهجوم على الرئيس السيسي، كان لهم باع طويل في الهجوم على النظام الجديد في المملكة العربية السعودية، لدرجة دفعت عددا من الإعلاميين السعوديين إلى مبادلة الهجوم بآخر مضاد، ووصلت بعض التفسيرات إلى حد التلميح بأن الحملة منظمة من قبل النظام المصري، وهو ما يسير عكس الاتجاه الإيجابي الذي تسير فيه العلاقات المعلنة بين البلدين.

التقدير أن منفذي الهجوم الإعلامي من المصريين، أرادوا تبرئة ساحتهم، ورفع الحرج عن النظام المصري عبر نفي التهمة السابقة، بالهجوم على السيسي شخصيا، وإذا كان هؤلاء يمارسون اللعبة نفسها مع رئيسهم، بالتالي ينتفي غرض التآمر أو الاستهداف المتعمد، وتنحسر القضية في شق الانفلات الإعلامي الذي ضرب الكثير من التقاليد الراسخة بمصر في الآونة الأخيرة.

الواقع أن الهجوم على السيسي، كان منظما أو عشوائيا، له أهداف محلية أو غرضه تقديم رسائل خارجية، هدفه الإصرار على الإثارة أو الطهارة، كشف في جميع الأحوال عن عورات متعددة تكاد تصيب الإعلام المصري في مقتل، ويحتاج العلاج إلى موقف حاسم من الجماعة الإعلامية، لأن التمادي في هذه النوعية من التصورات، سوف تكون له انعكاسات سلبية في الداخل، ويمكن أن يفضي إلى تداعيات قاتمة في الخارج.

كاتب مصري

9