موسم الهروب إلى غزة

الاثنين 2014/10/20

يبدو أن المثل العربي الشهير “المصائب لا تأتي فرادى” سوف ينطبق على حركة حماس في غزة، فقد فشلت حساباتها لجني الثمار من وراء العدوان الإسرائيلي على القطاع فقط، ورضخت واستجابت لشروط السلطة الفلسطينية بشأن إدارته، وبدأت تتعرض لخطة منظمة لقصقصة أذرعها وأرجلها الممتدة في أنحاء غزة، وأخذ رجال فتح يظهرون على الملأ، ومنهم من عاد لتسلم أملاكه التي سلبت منه خلال السنوات الماضية، في رحلة عكسية محسوبة من الضفة للقطاع.

إلى هذا الحد، تعتبر مشكلة حماس داخلية، وتتحمل نتيجة أخطائها المتكررة داخل فلسطين، لكن الأخطر أن المشكلة سوف تتحول قريبا إلى أزمة، لأن تراكمات السنوات الماضية بدأت تظهر على دفعات تدريجيا، وتتخذ شكلا إقليميا، ولنأخذ مثلا التأثيرات السلبية للدور الذي لعبته الحركة في مصر، عقب ثورة 25 يناير 2011، وملمحه المهم في تقديري يتجلى فى تسريب عناصر متشددة إلى سيناء عبر الأنفاق.

سواء كان التهريب تم لمساندة جماعة الإخوان والقيام بعمليات قذرة في مصر، أو لتكوين ميليشيات مسلحة للسيطرة على جزء من سيناء، أو حتى لتغيير وجهة المتطرفين وإبعادهم عن القطاع، فالنتيجة واحدة، وهي أن حماس ارتكبت حماقة الإشراف على رحلات النزهة المسلحة إلى مصر، وتحول هؤلاء إلى واحدة من المشكلات الأمنية للحكومة المصرية، التي دخلت معهم في معركة وعرة لكسر العظم، نجحت القاهرة أخيرا في القضاء على جزء معتبر من القيادات، والقبض على جزء آخر، ممن شكلوا عصب بعض الحركات المسلحة النشطة في سيناء وغيرها، من نوعية “أنصار بيت المقدس”.

الآن الصورة اختلفت، وتمكنت أجهزة الأمن في مصر من محاصرة الإرهابيين في سيناء، بعد تبنيها خطة محكمة، اعتمدت فيها على العناصر الأمنية والقبلية، وكان القبض على “وليـد واكد” القيـادي فى “بيت المقـدس” وأحد أهم الأذرع المسلحة يوم الجمعة الماضي، ضربة قاصمة للتنظيم والتخلص من أهم جيوبه، وهو ما جعل الكثير من الخبراء الأمنيين يؤكدون أن ساعة تجفيف سيناء من الإرهابيين قد دنت.

عمليات التطويق المتسارعة أدت إلى تداعيات غيـر متوقعة بشــأن الوجهة القادمة للإرهابيين، حيث بدأت العناصر المتبقية تفقد الثقة في قدرتها على الاستمرار، عقب انقطاع التمويل والإمداد، وشدة الضربات التي تعرضت لها أوكارها الرئيسية، فلم يبق أمام من تبقوا سوى الهروب إلى قطاع غزة، ومنهم فلسطينيون ومصريون وجنسيات أخرى، الأمر الذي تعاملت معه أجهزة الأمن المصرية بذكاء، حيث تخلصت من عدد كبير من الأنفاق ودمرتهـا، عندما تأكدت أن مهمة غض الطرف عنها خلال سنـوات ماضيـة، انحـرفت عن مسارها الإنساني والقومي، وتحولت إلى مطية لخدمة جماعة فلسطينيـة، لا تعتد سوى بأهدافها العقائدية الضيقة.

لا أعلم حتى الآن هل البدء في رحلة الهروب إلى غزة، عملا منظما، تشرف عليه حماس، أم يتم من خلف ظهرها ودون إرادتها؟ في جميع الأحوال هناك متطرفون مجروحون، في طريقهم للتوغل في قطاع غزة، ومتوقع أن يتحولوا في أي لحظة إلى قنابل موقوتة تنفجر في وجه قيادات الحركة، التي غررت بهم وأدارت عملية إرسالهم إلى مصر، بذريعة دعم إخوانهم هناك، والتمهيد لفتح طاقة أمل لإحياء الخلافة الإسلامية المزعومة، فالفشل والإحباط الذى مني به هؤلاء، والجحيم الذي رأوه في سيناء، يمكن أن ينقلب إلى وبال على حماس، ويخلق لها أزمة لم تستعد لها جيدا، في وقت تواجه فيه سلسلة من الأزمات المفتوحة على جبهات عدة، ومصيبة هذه الأزمة تكمن في ثلاثة جوانب رئيسية.

الأول، فقدان القدرة على الاستيعاب، عندما كانت حركة حماس تمرح في القطاع بمفردها، لم تعان من مشكلة فـي هضـم هذه النوعية من الكوادر الحركيـة، في شكل مقاومة مسلحة موجهـة ضـد إسرائيل، أو تأديب وتهذيب وإقصـاء، وبعـد أن امتلك هـؤلاء خبـرة مسلحة كبيرة في دروب سينـاء، وجرى تجهيزهم لأهداف محددة في مصـر، ولم يتم الاستفادة منهم، بل عادوا مكبلين بذيول الفشل والإحباط، أصبح على الحركة التعامل معهم، بطريقة مغـايرة، ولأن نفوذها آخذ في التقلص، بحكم شـروط المصالحة الوطنية، فمن المرجح أن يتحول الفريق العائد من سيناء إلى منغص لها في علاقتها مع السلطة الفلسطينية.

الثاني، تقمص دور جبهة الرفض المتشددة، فالعناصر التى جرى تسريبها إلى سيناء، لن تكون هي نفسها العائدة إلى غزة، من حيث الأفكار والأهداف والطموحات، ومن غير المستبعد أن يكون هذا الفريق رديفا لتنظيم “داعش” في غزة، أو أي تنظيم متشدد آخر، يتلاحم مع قطاع من المتطرفين، نجحت حماس في كبتهم والسيطرة على مفاصلهم طوال الفترة الماضية، بالتالي فاستقواء هؤلاء بهؤلاء يمكن أن يحرج حماس، ويضعها في خيار صعب، إما الدخول في مواجهة مسلحة تكبدها خسائر مادية فادحة، أو مهادنة تكبدها خسائر سياسية فادحة أيضا.

الثالث، تشكل الصورة على المنوال السابق، يقلل من نفوذ حماس، ويعزز ضعفها، ويزيد من أمراضها في القطاع، والأهم أنه سوف يمنح فرصة للسلطة الفلسطينية لأن تسحب حماس نفسها تدريجيا بعيدا، وتجبرها على التخلي عن المزايا التي حصلت عليها خلال سنوات الفراغ الوطني، قبل أن تتعرض لسيل من الضغوط الإقليمية والدولية، واتهامها باحتضان عناصر متطرفة وإرهابيين مطلوبين، كان لهم باع طويل في الحرب التي تخوضها مصر ضد الإرهاب، وبذلك تتحمل حماس نتائج ما صنعته يداها.


كاتب مصري

9