"موسم تقاسم الأرض":  الأسطورة والتاريخ لفهم الراهن الليبي الملتبس

سجل طويل من الكتب والآثار التي استطاع إبراهيم الكوني أن يختطّ لنفسه من خلالها هوية أدبية متميزة باللغة القوية وباستدعاء التاريخ والميثولوجيا.
السبت 2018/03/10
صحراء غدامس التي ألهمت الكوني

استهل إبراهيم الكوني روايته “موسم تقاسم الأرض” الصادرة عن دار سؤال في بيروت، بمقتطف من كتاب “تاريخ هيرودت” إذ قال “سوف يعضّ بنان الندم كل من لم يهرع إلى ليبيا لينال نصيبه من أرضها السخية في موسم تقاسم الأرض. نُبوّة ليبية قديمة وُردت على لسان عرّافة معبد دلفي لحث اليونانيين على الاستيطان شمال ليبيا”، وكأنه يبشر القارئ بما سيأتي في متن الرواية من إحالات تاريخية صالحة للزمن الراهن.

تتميز روايات الأديب والكاتب الليبي إبراهيم الكوني الأخيرة بالتكثيف، فجمله التي تنحو إلى طرح الحكمة واكتناز التجربة داخلها، تفرض على المتلقي أن يتعامل معها بانتباه شديد في الغوص إلى ما ترصده من معايشة قضايا وجودية، وهذا ما يصل إليه كبار المبدعين نتيجة حكمة تجارب العمر المعيشة والمقروءة.

ينحاز الأديب إلى الوقوف في صف المهمّشين الذين فُرض عليهم تقبل تغييبهم في وجودهم، دون مراعاة لما تجيش به مضغة الجسد من ظلم الأهل.

نبّه الروائي إبراهيم الكوني منذ عقود بعيدة حُكام الحزام الصحراوي للشمال الإفريقي إلى ضرورة انتهاج درب العدالة التي بغيابها يفقد المواطن حضوره الإنساني، وينتهي الأمر بصراع الإخوة الأعداء.

قدّر جورج لوكاش منذ الثلاثينات من القرن العشرين أن “الرواية عمل مديني” ونوع من “الملحمة البورجوازية”، باعتبار أن وجودها مرتبط بالانتقال من الإقطاعية التي طوّرت الفن الملحمي إلى الرأسمالية التي أنتجت الفن الروائي، وانطلاقا من هذا التصور النقدي الأدبي الذي طالما ساد الجامعات والأروقة الأدبية العالمية، لم يكن منتظرا أو متوقعا أن تنشأ الرواية خارج فضاء المدينة بكل ما يعنيه، لكن الروائي والأديب الليبي إبراهيم الكوني، وزمرة من أقرانه، أثبتوا أن الرواية يمكنها أن تنشأ في الفضاءات غير المدينية والصحراوية على وجه التحديد. ولد إبراهيم الكوني عام 1948 في مدينة غدامس الواقعة في المثلث الحدودي الفاصل بين ليبيا وتونس والجزائر، ولم تكن الصحراء تعني له فقط مجرد انتماء جغرافي، بل كانت متمثلة وحاضرة في آثاره وكتبه بكل ما ترمز له من انفتاح وعلاقات وقسوة وامتداد. يكفي استعراض كتب وآثار الكوني لنتبيّن أن الصحراء، كما واقع ليبيا وشمال أفريقيا، مثلت القضايا الغالبة على متصوره الأدبي، الروائي أو الشعري. فالسجل الحافل المتضمن لروايات “التبر” و”عشب الليل” ومن “أساطير الصحراء ” و”واو الصغرى” و”نداء ما كان بعيدا” ورواية “الدنيا أيام ثلاثة” و”جنوب غرب طروادة جنوب شرق قرطاجة” و”الخسوف.. أخبار الطوفان الثاني” و”المجوس” وغيرها من الروايات والدواوين، وصولا إلى رواية “موسم تقاسم الأرض: سيرة في سير” (وهي آخر إصداراته) هو سجل طويل من الكتب والآثار التي استطاع إبراهيم الكوني أن يختطّ لنفسه من خلالها هوية أدبية متميزة باللغة القوية وباستدعاء التاريخ والميثولوجيا، وبحساسية مفرطة تجاه القضايا السياسية والاجتماعية في ليبيا أو في غيرها من الأقطار العربية. في رواية “موسم تقاسم الأرض” تعامل الكوني مع القضايا الليبية والعربية الراهنة، من عنف وهجرة وغزو وتوق للحرية، بنفس أدبي مرهف استعمل فيه الرمز والإشارة التاريخية والمزاوجة بين الخيال والحقيقة وبين الأسطورة والواقع، وبين التاريخ والراهن. رواية إبراهيم الكوني “موسم تقاسم الأرض” هي ليبيا اليوم مكتوبة بلغة متمكنة من التاريخ.

انحاز الكوني إلى هذا الدرب منذ شبابه، وكتب عنه وترجم نصوصه الشعرية ونشرها في المطبوعات، وكتابه “ثورات الصحراء الكُبرى” أزعج الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين حيث سعى لتنبيه رأس النظام الليبي إلى خطورته، فكان أول كتاب يُصادَر حينها. وفي النهاية لا ننسى ضيْم الذين يستكثرون على أناس بلدانهم حتى الأسماء الشخصية التي اختارها لهم الأهل، وهذا ما جاء في رواية الكوني “ما اسمك أيها الملاك؟” هدية مجلة الدوحة والتي صودرت بدهقنة وزير الثقافة والإعلام قبل جلجلة فبراير 2011، ومعلمه الذي أوكلت له بمقابل مهمة الموافقة على الأسماء التي يختارها الأهل.

استدعاء التاريخ القديم

عتبة النص السردي بخصوص رواية “موسم تقاسم الأرض- السيرة الأولى” تأخذ تسمية “الإهابُ السّحري”، قبل ميلاد التاريخ بحوالي تسعة قرون، دون تحديد عامٍ أو شهر أو يوم.

ترصد البداية الجدل بين زعيم القوم وحسناء الأغراب التي طلبت منه أن يُمهلها أياماً أُخرى إضافة إلى الأربعين يوما التي أقرّها العرف، فتردد قائلا إنه في هذه الحالة سيضطر إلى التنازل عن تصدّر زعامة قومه فيما لو خالف الناموس الذي سنّه السلف (آنهي) حتى لو كان ذلك لإرضاء امرأة نزلت في دياره ضيفة تُحاججه في عرف لا يُجيز إجارة غريب لمدة تتجاوز ما حدده الناموس، في الوقت الذي يتغنون فيه بكونهم أضياف الأرض، فيكون ردّه أنّه وقومه لا يتغنون فقط، بل يتباهون بأنهم أضياف أغراب مثلهم مثل السيدة المهيبة وقومها، وكون الضيف غريبا، عليه أن يقيّد نفسه بِخُلق الضيافة وعُرف الأرض السائد وما حرّمهُ الأهل الذين سبقوه إليها، كان يتحاجج مع سيدة في الدهقنة تُحاول أن تنفذ إلى البراح الذي سيحقّق لها استعمار المكان، ضاربة على العديد من الأوتار الضعيفة في جوّانية الرجل الزعيم الذي يسعده أن ينتمي وقومه إلى مِلل العابرين المشروطة بحدود جغرافية في عبورهم الذي لا يتجاوز تُخوم المياه، ولكن دربهم محدد بالسير في أرضهم الموروثة عن الأسلاف في إطار دائرة تُعانق نفسها في طوافها الذي يُمثّل صلاة في معبدهم الصحراوي.

تحريم العرف لاجتياز المياه

الأمر لم يكن مقنعا للحسناء التي لم تستسغ تحريم العُرف لاجتياز المياه ويُدهشها الأمر، ويعترف الزعيم بأنه هو الآخر لا يعرف السبب وإن كان ما ترسّب في قاع معارفه من موروث ناموسهم الضائع يقول إن الغمر هو الذي شتّت الشّمل في الأزمنة الغابرة، مما ترتب عليه نسيان لغتهم وضياعهم عن جذورهم، ولم يجدوا ما يتشبثون به سوى اليابسة الملاذ المجير من التيه. هنا يتّضح ما زرعه الأقينوس الأزرق في أعماق ابن صحراء الرمل من تشبث بالمكان الذي يعشق فيه الثبات، وتتماهى المواجهة بين أعراف التحريم وهي قبلة أقوام الرحيل بالشروط التي أسلفناها.

كانت المحاججة نديّة بين الغريمين، وهذا ما تتسم به لغة الكوني وهو يسعى لبعث الحياة في أمم يحاول جيرانها نفيها وطمس ما عمروا به الأرض وتشهد به الصحراء كمعبد يتجلى الطواف فيه كنُسك. استنكرت الحسناء تحريم العُرف ما ورثوه في الناموس الضائع أن الغمر هو ما شتت شملهم في الأزمنة المنسية وفرّق الأمّة عبر الأركان التي فصلتها البحار والأنهار، والمُحزن ليس في نسيانهم لمسقط الرأس بل الأسوأ ما ترتّب عليه من نسيان شامل.

تجربة الأجيال المعاصرة

فما يطرحه الكوني يتضح أمام تجربة الأجيال المعاصرة التي قذفت بها المياه إلى أصقاع الأرض، وما سيترتّب على ذلك من غيبوبة عن اللسان وما يتبعه من قيم ومُثل إنسانية في غياب طوق النجاة المتمثل في لغة الوطن الأم وعاداته وتقاليده، ولا يبقى إلا المُكتسب الذي قد يُرضي المادي ولكن لا يتأقلم معه المعنوي والقيمي، وما رصده الزعيم من حكمة التجربة هو ما يعصمه من ادعاء المعرفة فيستند على صخرة أنه لا يعرف كل الأسباب.

كانت الحسناء في محاوراتها لا تعدم فتح الجبهات التي تصطادها من حديث الزعيم، وهذا ما يدفعها إلى القول له: طالما أنكم تؤمنون بوصايا السلف عن شتات الأمّة في الأزمنة المنسية، فلماذا تسنون الأعراف التي تقضي بعهد الأربعين يوما وأنتم لا تضمنون عدم انتماء الضيف الذي نزل في دياركم إلى إحدى السلالات التي طوّح بها جنون اليم بعيدا يوما؟

فيعترف الزعيم بشكل يقيني بصوابها، فالأغراب هم الأهل العائدون راكبين الخطر تلبيةً لندّاهة الدم الأقوى من كل قوة، ويعتذر لمناداته إياها بسليلة الأغراب بدل سليلة الملة.

وبالرغم من اعترافه للضيفة برباط الدم، إلا أنه ينبه إلى أن ذلك لا يعفي من دفع المكوس، مما خلق الاستلاب عند الحسناء التي تحاول أن تفهم أكثر، فيوضح لها أن السّر في الناموس الضائع ولكن له حضوره في حياة أهله الذين لا يستهينون به، فذلك الحد يصل إلى التجديف في حق المعبودة (تانس) التي وضعت وصايا الناموس. كانت الحسناء تريد أن تستفهم عن حقيقة العهد الوارد في المتون، فأوضح الزعيم أنه ما كان يريد أن يسمح لنفسه بقبول وضع يكون فيه طرفا في هذه المبارزة لولا ما وصل إلى علمه من شغف أفراد حاشية الحسناء بمعدن حرّمه العُرف ولعنه الناموس، وهو “معدن النحوس”.

خيل للزعيم “أمزغيس” أن وميضاً لمع في بياض عينيها، وأضاف: إذا كان شق ملتنا التي ألقى بها جنون المياه إلى أوطان الشرق البعيد قد نسي أننا قد قبلنا بنزولنا إلى هذه اليابسة كأضياف لا كأصحاب أرض، فبعض من بقي متشبثا بهذه اليابسة هيهات أن ينسى من سبقنا إلى هذه الأرض (ليأمننا من خوف ويُطعمنا من جوع) وكان القبول بعهد التنازل عن امتلاك معدن حرام ظلّ حكراً على أصحاب الأرض الأصليين، سألت: أين من تتحدث عنهم؟

ردّ عليها بقوله: نخلع عليهم ألقاب “أهل الخفاء” بدل الاسم الأصلي، فاحترسي. لاحظ في عينيها فضولا وإغواء، فأضاف: أتنازل عن عُرف الأربعين إذا استطاعت سيدة الأغراب إقناع أعوانها بالاستغناء عن اقتناء معدن الحرام، أجابت قائلة: الرهان ليس في الإقناع، ولكن في ضمان التزام الأشقياء والاستيلاء على المعدن خفية. أملك أن أضمن نفسي ألا أخون عهداً قطعته وأخشى ظمأ ملتنا للكنوز. أضافت: هل أطرح في حضرة الزعيم عرضاً؟ أريد أن أجد لنفسي في هذه الأرض موضع قدم. كان رده: ما جدوى موضع قدم إذا كان الإعفاء من شرط الأربعين كفيلاً بأن يفتح في وجهك الأرض؟ أجابت: العمران هو ما يُعوّل عليه وإنها لا تقبل شيئاً على سبيل الهبة، أطلب شبر أرض في مملكة الزعيم وأدفع مقابله أغلى الأثمان.

رغم ابتسامته كان رده: أي ثمن يُمكن أن يُرضي الإنسان الذي لا يريد شيئاً؟

نبه الكوني منذ عقود بعيدة حكام الحزام الصحراوي للشمال الأفريقي إلى ضرورة انتهاج درب العدالة التي بغيابها يفقد المواطن حضوره الإنساني
نبه الكوني منذ عقود بعيدة حكام الحزام الصحراوي للشمال الأفريقي إلى ضرورة انتهاج درب العدالة التي بغيابها يفقد المواطن حضوره الإنساني

كانت تراهن على الحب. ما ختم به كلامه “أول الأرض قيد ونهاية الأرض قبر”. فقالت: كل ما أريده هو بقعة أرض بحجم إهاب ثور. في اليوم التالي التقى الزعيم بالداهية “تامولي” فقال العراف: لقد افتقدتك البارحة. فكان جوابه ابتسامة قائلاً معها: لست الوحيد الذي افتقدني البارحة، أنا أيضاً افتقدت نفسي. وأضاف -في نهاية حديثه- أنها طلبت أن نتنازل لها عن رقعة بحجم جلد ثور. فاستنكر ثامولي قائلاً: الثور في عُرفنا سلطان والثور طاغية لأنه الفحولة العمياء التي تسحق في طريقها كل شيء. وختم كلامه بأنه كان على يقين بأن عشق رجال هذه الأمة للنساء سوف يكون سبب هلاكها.

عليس أو “يليس” كما ينعتها أهل المكان استدعت الوصيفات بعد أيام لتطرح إهاب ثور معلنة: استعادة الوطن الذي فقدناه يتوقف اليوم على مدى قدرتكن على تحويل رقعة الجلد الموحشة إلى كتلة لينة تنافس كوم الخز.

في لقاء الداهية تامولي بالزعيم بادره بقوله الغاضب: عدمت اليوم الذي أشهد فيه الزعيم يخون عهداً ائتمنه عليه الأسلاف مقابل نزوة، لم يقبلها الزعيم بينما يُصر الحكيم على تكرارها فيما يبدو له أن العشق والشعر كعب أخيل إلى من اختارته الأقدار لتدبير شؤون القوم، ورغم مشاعر المحبة بينهما إلا أن الأقدار دفعت بتامولي إلى استحضار كل الذين أصبحوا أغرابا عن الناموس والبيئة، وما يُجلّه الحكيم حد العبادة، فيما يرى فيه الزعيم الطوق الخانق لمشاعره التي تصعب إماتتها، وجاء ما اختاره الحكيم تامولي كنهاية بعد ما استجد فكان للانتحار حضوره، وأيضاً للحزن طقوسه، وكان لجلد الثور تمدده في براح الأرض وتقييد البناء لأناسها.

القارئ يجد نفسه مع نص عجائبي ينتمي إلى عصره لا إلى عصرنا
القارئ يجد نفسه مع نص عجائبي ينتمي إلى عصره لا إلى عصرنا 

تكالب الصراع الأسري الداخلي ليُغيّب بعض أفراد الأسرة التي كان قدرها أن تتصدر القوم باختيار مسلك الاغتيالات، غاب الحضور وتمطأ صراع النفس بين السكون والرحيل الذي يصاحبه قدر أناس الصحراء فرارا من عبودية المكان لمن يستأنس الكمون فيه. وكان الترحال قدراً، فالوطن الحرية، وينبهنا الكوني إلى “أن الصحراء هي المتمثلة في الأرض التي انقطع فيها الجمال لا الصحراء التي نعرفها…. ويكون ليابسة العجب (مزر) حضورها الذي تنطقه ألسنة القوم بـ”مصر” قابلة أركان الأرض، واحة الزمان التي أجارت كل مستجير وأطعمت كل جائع وآوت كل تائه وضمّدت جراح كل شقي، فحطت بها الرحال ليستفيق القوم على تشييد الأبنية الذي لم يتوقف منذ انتزع جلد الثور بقعته السحرية من براثن العدم، والسفن لم تغب من مياه الشاطئ”.

ويرحل بنا الكوني إلى دروب سحرية في إطار علاقات إنسانية كانت مقبولة في زمانها، ويبهرنا كعادته بمفرداته التي ينتقيها في العلاقة التي عايشتها صاحبتها مع شقيقها الذي اعتقدته شقيق الأم، ويجد القارئ نفسه مع نص عجائبي ينتمي إلى عصره لا إلى عصرنا حيث الابن موزع بين الأم والأخت المهاجرة هروباً من قيد الأرض، لصوت الدواهي بركوب البحر بديل البر المفقود.

أقبل الفرعون شاشانوك (شيشنق) العظيم مهاجراً إلى حرم مزر (مصر) ملتحقاً بفوج سابق من أهل وطنه ليبيا، واستقر في الأرض التي لا يطالها العطش نتيجة السيل الذي يجري من جنوبها إلى شمالها، وفي شخص شيشنق وجدت القبائل المهاجرة الرجل العظيم الذي أحاطها بمراسم الحفاوة كما جاء في سرد الروائي الكوني الذي خَبَر ما جاء في المُتون التي تابعها، ومن ضمنها ما جاء على لسان شيشنق أن “الهجرة في الإنسان طبع” وكان اللقاء بينه وبين المهاجرة وتتالت الأحداث التي تتطلب التماهي معها.

16