موسم جني الفلين يجمع شمل الفقراء في شمال غرب تونس

تعاني المناطق الداخلية في تونس من التهميش منذ الاستقلال ما دفع بأبنائها إلى النزوح بحثا عن لقمة العيش وسط العاصمة وفي ظروف تكون مزرية في غالب الأحيان، في حين أن حل هذه المشكلة لا يحتاج إلا إلى فكرة جريئة ولفتة جادة من السلطات لاستغلال ثروات المنطقة وتشجيع سكان الداخل على الاستقرار في مناطقهم.
الجمعة 2015/08/21
جني الفلين يبعث حركية ونشاطا في المناطق الغابية شمال غرب البلاد

عين دراهم (تونس) - في الطريق إلى منطقة عين دراهم، بمحافظة جندوبة التونسية، تأسرك الطبيعة الخلابة وتلك المنازل المعلقة في قمم الجبال، المكتظة بالغابات الكثيفة، من أشجار “بلوط الفلين”، والصنوبر، والزان، ثروة حرجية مثلت لسكان المنطقة مصدر رزق على مدى عقود من الزمن، من خلال عملهم في جني الفلين.

ويتصدر موسم جني الفلين، اهتمامات وأنشطة سكان المنطقة الواقعة في محافظة جندوبة، شمال غربي البلاد، فبعد أن كان حصاده من التقاليد التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، تحوّل شيئا فشيئا إلى مصدر للرزق يؤمن لقمة العيش لهم.

ويبدأ موسم جني الفلين في هذه المنطقة، مع بداية مايو، ويتواصل حتى نهاية نوفمبر، وتشرف عليه الوكالة الوطنيّة لاستغلال الغابات (مؤسسة حكوميّة)، موفرة فرصة عمل لنحو 3800 شخص كل الموسم.

وعن تاريخ جني الفلين وعلاقته بسكّان المحافظة، يقول المواطن محمّد صالح العرفاوي، إن آباءه وأجداده كانوا يستغلّون أشجار البلوط بجمع ثمارها، واستخدامها كعلف (طعام) للحيوانات، أمّا الفلين وهو قشر الشجرة، فكان يستعمل في صناعة الأصص (جمع أصيص ويعني إناء) لزراعة الأزهار والزينة، وخلايا تربية النحل التي تسمى محليا “الأجباح”.

كما كان يستخدم في صناعة تحف منزلية، وصناديق تحفظ فيها النساء مواد التجميل.

9 ملايين دينار (ما يعادل 4 ملايين و586 ألف دولار)، عائدات يمكن مضاعفتها إذا تم حل الإشكاليات التي يواجهها هذا القطاع

يقول منير الكسراوي، رئيس مصلحة البرمجة والمتابعة بوكالة الغابات (حكومية)، يمنع القانون التونسي تصدير هذه المادّة خاما، أمّا استهلاكها محليا فتخصص له الـ10 بالمئة المتبقية من الإنتاج الوطني، الذي يبلغ معدّله السنوي 7 آلاف وخمسمئة طنّ.

في إحدى مزارع جني الفلين بالمنطقة، يتوزع العمال، كل حسب اختصاصه، فهناك مراقب العمّال، ومستعمل الشاقور (أشبه بالفأس)، وناقل الفلين، وناقل الماء على الدابة، والسقاء، والمسجّل، وصولا إلى جامع قطع الفلين.

ويصل معدّل الأجر اليومي للعامل، حسب الكسراوي، 13 دينارا (نحو 6.5 دولارات)، ولا يختلف الفرق في الأجر بين تلك الاختصاصات إلاّ ببعض المليمات.

محسن العرفاوي، أحد العاملين، يضطر مع كل نهاية الموسم إلى مغادرة مسقط رأسه عين دراهم نحو العاصمة تونس، للعمل في مجال البناء.

علاقة قديمة بين شجرة البلوط وسكان المنطقة

ومع انطلاق الموسم في العام التالي، يعود العرفاوي مستأنفا نشاطه في غابات عين دراهم، وهو يمنّي نفسه، كما يقول، بأن توفر الدولة بعض المشاريع الاستثماريّة حتى لا يضطّر وأمثاله إلى النزوح نحو المدن الكبرى.

ووفق إحصائية المندوبية الجهوية للتنمية (مؤسسة حكوميّة)، يتمركز ثلاثة أرباع سكّان جندوبة في الغابات والأرياف، وهي مناطق تعاني الفقر، لارتفاع نسب البطالة بها، نتيجة غياب فرص التشغيل.

أما عادل خميري، وهو صانع تحف، فيقول “رغم أنّي تلقّيت تكوينا (تأهيلا) في تقنيات جني الفلين، إلا أنني توقفت عن العمل فيه، لأنني أجد نفسي عاطلا عن العمل، ومجبرا على النزوح مثل بقية السكّان خلال الأشهر الستة الباقية، ولهذا السبب فكّرت في امتهان صناعة التحف الخشبيّة”. وعن مشاكل هذا القطاع يتحدث جلال مبروك، رئيس مصلحة الغابات (حكومية)، في عين دراهم، عن نقص الأيدي العاملة المختصة.

ويقول إنه “على الرغم من قيام وكالة استغلال الغابات بدورات تكوينيّة في مجال جني الفلين لصالح 70 عاملا كل سنة، إلاّ أن القطاع ظلّ يعاني من إشكالية نقص الأيدي العاملة، والسبب في ذلك هو عزوف العمّال عن هذا العمل بسبب موسميته”.

وينقسم الفلين إلى نوعين، الأول يسمّى الذكر وهو الجيل الأوّل، ويتميّز بكونه صلبا، وقليل المطّاطية، ومشققا، أما الثاني وهو الأنثى أو المولد فينتج بعد جني الذكر، بحسب عوادي بلعيدي، الذي يترأس مجموعة عمال في هذا النشاط.

ووفق بلعيدي، يعتبر الفلين الذكر، الأغلى ثمنا، حيث يتم جنيه مرّة واحدة بعد بلوغ الشجرة 35 عاما، أمّا النوع الآخر فيتم جنيه كلّ 12 سنة، وهي الفترة الزمنيّة التي تتمكّن فيها الشجرة من تكوين قشرة جديدة من الفلين يصل سمكها 4 سنتيمترات.

وبحسب الوكالة الوطنيّة لاستغلال الغابات، فإن عائدات بيع مادّة الفلين، تقدّر سنويا بـ9 ملايين دينار (ما يعادل 4 ملايين و586 ألف دولار)، وهي عائدات يمكن مضاعفتها بحسب المختصين إذا تم حلّ الإشكاليات التي يواجهها هذا القطاع، بينها الحدّ من النزوح، وخلق فرص عمل للسكّان بعد الانتهاء من الموسم.

20