موسم حج آمن لكنيس الغريبة في جربة التونسية

يوسف الشاهد يقول إن زيارة اليهود لجربة تؤكد أن تونس ستظل أرضا للتسامح، ونجاح الاحتفالات ينعش الموسم السياحي المرتقب.
الجمعة 2018/05/04
تونس تسع الجميع

تونس - اختتمت جزيرة جربة التونسية (جنوب)، مساء الخميس، الاحتفالات السنوية في كنيس “الغريبة” اليهودي أحد أقدم المعابد اليهودية في العالم، وسط إجراءات أمنية مشددة.

واستمرت الاحتفالات على مدى يومين، بحضور رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد ومشاركة وزيرة السياحة التونسية سلمى اللومي والعديد من المسؤولين والسفراء العرب والأجانب المقيمين بتونس، إلى جانب كبير الأحبار الروس.

وقال بيريز الطرابلسي رئيس الطائفة اليهودية في جزيرة جربة لـ”العرب” إن “موسم حج الغريبة لهذا العام كان ناجحا وسط إقبال مكثف من يهود العالم”. وقدرت هيئة الكنيس اليهودي الأقدم في منطقة أفريقيا عدد الزائرين هذا العام بأكثر من خمسة آلاف زائر من دول أوروبية وإسرائيل، وهو قرابة ضعف عدد الزائرين في احتفالات العام الماضي.

وأشاد الطرابلسي “بالتعزيزات الأمنية التي رافقت حج الغريبة”. لافتا إلى أن “موسم حج الغريبة لهذا العام تفوق على الموسم الذي سبقه”، داعيا “اليهود إلى التوافد بكثافة إلى جربة في المواسم القادمة”.

واتخذت السلطات التونسية إجراءات أمنية مُشددة لضمان نجاح هذه الاحتفالات التي تتخللها شعائر وطقوس دينية.

وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية التونسية خليفة الشيباني، في تصريحات محلية “إن وزارته اتخذت كافة التدابير لحماية هذه الاحتفالات”، باعتبار أن نجاحها يعتبر أحد مؤشرات نجاح الموسم السياحي في تونس. ويلفت مراقبون إلى أن نجاح موسم حج الغريبة من شأنه أن ينعش السياحة التي تراجعت جراء عمليات إرهابية تعرضت لها البلاد منذ اندلاع ثورة يناير عام 2011 وتزامنت مع بداية بروز ظاهرة التطرف في البلاد. وتمثل هذه الاحتفالات مقدمة للموسم السياحي الصيفي الذي يبدأ بعد أسابيع قليلة في الجزيرة وفي تونس عموما.

بيريز الطرابلسي: موسم حج الغريبة لهذا العام ناجح وتفوق على الموسم الذي سبقه
بيريز الطرابلسي: موسم حج الغريبة لهذا العام ناجح وتفوق على الموسم الذي سبقه

وتوافد الآلاف منذ الأربعاء على الغريبة لإحياء الطقوس الموسمية وسط أجواء احتفالية؛ من بينها إشعال الشموع وكتابة الأماني على قشور البيض ووضعها في قبو المعبد وشرب نبيذ “البوخا” المستخرج من ثمار التين.

ويقع كنيس الغريبة في قرية صغيرة بجزيرة جربة، سكنها اليهود في الماضي، وتسمى “الحارة الصغيرة” حاليا، وتبعد عدة كيلومترات جنوب غرب حومة السوق المدينة الأكبر بالجزيرة. وبلغت الاحتفالات في كنيس الغريبة ذروتها في يومها الثاني مع إحياء الزائرين لطقوسهم السنوية. وداخل الغريبة غنى اليهود ورقصوا في حين كتب آخرون أمانيهم بالزواج والإنجاب والسلام على بيض ووضعوه في قبو.

وأضاء آخرون الشموع داخل المعبد وأقاموا الصلوات ورددوا الأدعية، كما تنظم أيضا مزادات علنية بساحة الكنيس يذهب ريعها إلى يهود جربة. ويتوجه الزوار بمجرد خروجهم من مكان الصلاة، إلى شيخ كبير يسمى بـ”رِبّي عتوقي” (75 عاما)، وهو شخص ذو بركة وفقا لتصورهم، ويقرأ لهم أجزاء من كتاب التوراة للتبرك بها. وفي الجانب الأيمن من المعبد، تجرى الاحتفالات عبر ترديد الأغاني التونسية وتقديم الأكلات الشعبية المعروفة في تونس. ومن أبرز طقوس الحج اليهودي إلى الغريبة “الخرجة بالمنارة”، وهو خروج جماعي لليهود من الكنيس؛ حيث يدفعون عربة فوقها منارة مزيّنة (مصباح تقليدي كبير)، ويطوفون في الحيّ المجاور له، ويقرأون كتبهم المقدسة. كما يردّدون الأهازيج والأناشيد، إضافة إلى عادات أخرى، بينها إقامة احتفالات تتخللها موسيقى تونسية تقليدية تُجمع خلالها التبرّعات للمعبد.

وتعتبر جزيرة جربة مثالا فريدا من نوعه على مستوى التعايش السلمي بين الأديان والأطياف في العالم، حيث يحرص التونسيون المسلمون على احتفالات الغريبة الدينية في إشارة إلى روح التسامح والتعايش بين الأديان، كما يعمل المشرفون على هيئة المعبد على ترسيخ التنوع الديني والثقافي الذي يميز الجزيرة، كما يحرص المسؤولون في الحكومة على المشاركة في الاحتفالات.

ومن بين الحاضرين في زيارة هذا العام الإمام الفرنسي حسن شلغومي رئيس منتدى أئمة فرنسا فضلا عن سفير الولايات المتحدة بتونس دانيال روبنشتاين. وقال رئيس الحكومة يوسف الشاهد، الذي حضر مؤتمرا لمكافحة التطرف في جربة تزامن مع احتفالات المعبد، “الجزيرة لها رمزية كبيرة في العالم، وهو ما يفسر أن تونس تجربة فريدة من نوعها باعتبارها رمزا للتعايش والسلام والوحدة”.

وأضاف الشاهد “أردنا أن نكون هنا في جزيرة جربة لحضور زيارة الغريبة، ونوجه رسالة أن تونس أرض التسامح والسلام”. وتابع “تونس ستواصل في هذا الطريق ونحن شعب منفتح نقبل الجميع”.

واستفادت الجزيرة من استقرار الأوضاع الأمنية في البلاد بعد هجمات إرهابية دامية السنوات الأخيرة، كما استفادت أيضا من رفع أغلب الدول الأوروبية تحذير السفر لرعاياها نحو تونس ما يمهد لموسم سياحي واعد. وقالت وزيرة السياحة سلمى اللومي، لدى حضورها في افتتاح موسم الزيارة، إن “عدد السياح في الجزيرة تضاعف منذ بدء العام الجاري وحتى شهر أبريل الماضي مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي”.

وفي الأسبوع الجاري بدأت شركة السياحة العالمية “توي” بتسيير رحلات أسبوعية نحو تونس انطلاقا من بريطانيا، بعد غياب استمر لنحو ثلاث سنوات منذ هجمات سوسة الإرهابية في يونيو 2015 والتي أوقعت 39 قتيلا من السياح معظمهم بريطانيون.

وتوقعت وزيرة السياحة أن يتجاوز عدد السياح هذا العام ثمانية ملايين، بعد أن تخطى سبعة ملايين العام الماضي لأول مرة منذ 2014، وقبل 2011 بلغ معدل حضور اليهود في احتفالات الغريبة نحو سبعة آلاف وكان العدد أعلى من ذلك قبل الهجوم الإرهابي في أبريل 2002 والذي خلف 21 قتيلا من بينهم 14 سائحا ألمانيا.

4