"موسم صيد الزنجور".. فانتازيا البحيرة الأطلسية ورواية المتاهات

السبت 2014/02/08
غزالي يزاوج بين المتعة والمعرفة كي يصنع عالمه الخاص

تحتفي رواية المغربيّ إسماعيل غزالي “موسم صيد الزّنجور”، الصّادرة عن دار “العين المصريّة” في العام 2013، بالغرائبيّ والعجائبيّ، وهي حافلة بالرّمز وباللون وبالمتاهة الّتي تؤكّد عبثيّة القدر وألعاب التّحوّلات، كما تعتبر مصيدة تقتنص القارئ اللّاهث وراء الدّهشة والسّؤال، ووراء الإبداع الّذي ينمّ عن معرفة وعمق وإبحار.

فرادة إسماعيل غزالي هنا ليست في نزوعه السّحريّ النّاهل من القصّ الكونيّ فحسب، بل في روحه الغنيّة بأطيافها المغربيّة والأمازيغيّة والعربيّة والأفريقية والمتوسّطيّة الّتي يمهر بها روايته هذه، ويبرع من خلالها في هندسة المتاهة بمزيد من جرعات الفانتازيا، المحبوكة بأساليب فنّيّة تجريبيّة حداثيّة ومبتكرة.


طفولة مجنونة


هذه الفسيفساء كلّها متأتّية من دفق عوالم البدئيّة الطّفوليّة المجنونة، يلمّها الكاتب بقلقه العابث بهذا الوجود السّاحر والسّاخر. وينبري لكتابة تعيد تأريخ الإنسان والأرض من زمن الاستعمار الفرنسيّ إلى ما بعد استقلال المغرب. هذا التّأريخ يأتي على صعيد الدّاخل/ الرّوح/ الأنا/ المكبوت والخارج/ الجسد/ الآخَر/ المُعْلَن.

هذه الرّواية، المرشّحة ضمن القائمة الطّويلة للجائزة العالميّة للرّواية العربيّة- البوكر لهذا العام 2014، جاءت بعد عدّة إصدارات، آخرها ثلاثة كتب في العام 2012، نشرت في المغرب، وهي عبارة عن روايتين قصيرتين “خرير الأحلام” و”صرير الكوابيس″ في طبعة واحدة، وكتاب قصصيّ بعنوان “بستان الغزال المرقّط” وهو يضمّ أربع مجموعات قصصيّة وهي: “عسل اللقالق”، “لعبة مفترق الطّرق”، “منامات شجرة الفايكنج”، “الحديقة اليابانيّة”.

في هذه الرّواية، جاء السّرد موثّقا للنّبات والطّبيعة، الورد والموسيقى، البشر والحيوان، الطير والسمك والحجر. بلغة منزاحة شعريّة مجازيّة، وبحسّيّة منسابة، وباسترجاع من باطن الذّاكرة والمخيّلة بدفق متوتّر ومشحون وحُلميٍّ متّسق مع جمال الأمكنة المنسيّة ومع قبح الإحداثيّات البشريّة.

الرواية تتكئ على المفارقة الزمنية بين حركة تأملية في الحاضر، وحركة تذكرية تعود إلى الماضي، لتكسر نمطية الحكاية

ترتكز الرّواية على حكاية مركزيّة لشاب مولود، في مدينة “رانس" الفرنسيّة، من أب فرنسيّ الأصل وأمّ مغربيّة أطلسيّة، عاشق للشّعر في مراهقته هارب منه عبر تخصّص علميّ في الرّياضيّات. يسافر إلى بحيرة “أكلمام أزكزا” المجاورة لعيون “أمّ الربيع″، هي بحيرة غرائبيّة منزوية في أعالي جبال الأطلس المتوسّط المغربيّ. الرّحلة تكون بتشجيع وبدعوة من مغنّية أطلسيّة التقاها مع مجموعة موسيقيّة في سهرة فرانكوفونيّة في باريس، بعد أن علمت بحبّه للصّيد والبحيرات.. هو ينتظر قدومها كي يبدأ معها رحلة البحث عن أهل أمّه، لكنّها تتأخّر..

هذا الزّائر يجد نفسه متورّطا في أحداث وعلاقات إنسانيّة وإبداعيّة، كأنّ قدرا عجائبيّا يجمعه بأشخاص على سبيل مصادفة مبهمة، لأنّه يشترك معهم في الذّكريات والمعاناة والأفكار والمصائر والأحلام والتّهويمات، وجنون البحيرة ولغزيّتها، وما حول المكان من وقائع مخيفة وغريبة. فكلّ من أتى إلى البحيرة جاء بدافع البحث عن شيء غامض له وقع خاصّ في ذهنه ومخيّلته.


الواقع والإيهام


ولأنّ الكاتب متمرّس في نسج حبكة من جملة من المصائر والأقدار والمتاهات، فإنّنا نجد أنفسنا كقرّاء أمام حيلة الإيهام بالواقع، فليست حقيقة الشّخصيّات هي ما تبدو عليه فعلا، بل يتّضح لاحقا أنّ حقيقتها مغايرة لما تظهر عليه، أو أنّ مصائرها الّتي تبدو على السّطح ليست هي المصائر ذاتها الّتي في العمق. هذا الإيهام بالواقع والجنوح إلى نوع من الفانتازيا ينتصر للفكرة الفلسفيّة الّتي لا تفصل الخيال عن واقعه وتذوب عندها الثّنائيّات. فبطل الرّواية نفسه ينتقل إلى ممارسة ولعه بالصّيد.

الرواية تزاوج بين المتعة والمعرفة

هذا الشّاب كان يلوذ بغرابة كينونته إلى الموسيقى، مدّة إقامته في البحيرة، ويشرع في العزف على السّاكسوفون الّذي كان يعتبره “رياح الأزل ترسم خطا للأبديّة، وعلى هذا الخط يمشي الألم الإنسانيّ بملء الغبطة”. كان يعزف في كلّ ليلة، حتّى يسقط مغشيّا عليه.. ثمّ يستفيق وهو يردّد جملة تغدو عنوانا لمقطع موسيقيّ جديد.. هذا الإغماء يذكّرنا بطقوس العشق الصّوفيّ وبمرحلة النّيرفانا.

والبحيرة مأوى للزّنجور المسحور بعزف بطل الرّواية، فهو يطلّ متابعا أثر النّغمات، يحوم ويرقص. والعازف نفسه يُغرم بالمكان، ويؤلّف مقطوعة موسيقيّة خماسيّة بعناوين: دورات الغراب الثّلاث، ساحل اللؤلؤة السّوداء، أوديسّا بجع الشّمال، حكايات البحيرة السّبع، رقصة اللوثيان.

وهكذا فإنّ الحكاية النّواة تتوالد منها حكايات فرعيّة، وهذا يؤكّد على أنّ الرّواية تتّكئ على المفارقة الزّمنيّة بين حركة تأمّلية في الحاضر، وحركة تذكّرية تعود إلى الماضي، لتكسّر نمطيّة الحكاية وتدرّجها الزّمنيّ، ليكون للسّرد بنية حلزونيّة، إذ تتفرّع الأحداث وتتزاوج، وتفيض بشكل يتعذّر فيه الفهم في غالب مراحل الحكاية المركّبة حتّى تكشّفها في الأخير.


الإرادة والمصير


وتبرز من بين هذه الحكايات حكاية الأسرة الغجريّة الّتي عاشت على ضفّة البحيرة وفق رؤى العازف وتخيّلاته. وفي نهاية المطاف يتّضح أنّ الصّبيّة الغجريّة -فتاة البحيرة- هي “شامة” والدة عازف السّاكسوفون المدفونة إلى جانب قبر والدتها على الهضبة الشّماليّة من البحيرة. والصّوت الأنثويّ الحادّ الّذي كان قريبا ممّا يسمعه العازف من رجع صدى لصوت امرأة مألوف لدمه، يتّضح لاحقا أنّه صوت والدته الحقيقيّة.

في السّياق نفسه تنجلي فكرة جديدة، تتلخّص في تحكّم إرادة المصير العليا في الشّخصيّات لتودي بهم إلى دروب متشعّبة، حتّى تجتمع من جديد في سيناريو مضبوط، عبر نسق مغاير، غير مدرك سابقا، إذ مع القراءة الأولى يبدو الحكي عن الأشياء كما لو يتمّ تلقائيّا وفوضويّا. وسرعان ما يتأكّد أنّ لا شيء مقحم، حيث أنّ المعطيات يلحمها منطق ذكيّ، مباغت، يطفو في مجرى التّحوّل المفارق الّذي تحدثه نهاية الحكاية. بالتّالي يلعب الكاتب بحكمة في مصائر شخوصه، ويزجّ بها في مكائد ودسائس. ويعرض أحداث حكاياتها وينفضها من جديد ليميط اللثام عن اللحظة الّتي تتقاطع فيها خطوط حيوات هذه الشّخوص.

فها هي فيرجينيا تختفي فجأة بعد غرق عربتها في البحيرة، تاركة للعازف ذكريات عن عشقها لعزفه، وعن علاقة حميمة جمعتهما ذات ليلة. كما تهديه مخطوطا غريبا يدهشه، سلّمه له صاحب النّزل. وهو نفسه مخطوط الرّواية التي كانت تراوده لصديقته الفرنسيّة المنتحرة أيّام مراهقته، وهي بعنوان “البيانو بيت الزّنجور الأثير”، وهي الرّواية التي ورّطته في عشق صيد الزّنجور بالذّات.

أمّا الصّبيّ العشرينيّ يجازف بتسلّق الجبل السّحريّ، باحثا دون رجعة عن فتاته. ويترك بدوره مذكّراته للعازف، والّتي حاول فيها إنجاز كتاب عن مئة وجه من الصّور العاشقة الّتي بصمت وجود البحيرة، لكنّه جمع منها سبع حكايات صغيرة، هي: حكاية الرّسّام الإيطاليّ، حكاية المخرج السّويديّ، حكاية الصّيّاد اليابانيّ، حكاية زوجة الجنرال البريطانيّ، حكاية الشّاعر الرّوسيّ، حكاية عازف الكمان الألمانيّ، حكاية فتاة البحيرة. والصّيّاد الأشقر سيتواطأ مع العازف ذات ليلة للإيقاع بالحوت الضّخم. وإثر نجاحهما يجنّ الصّيّاد ويقصد الجبل الغامض هو الآخر، ويختفي تاركًا مخطوطًا عجيبًا لصديقه العازف. ومعه رسالة صغيرة، يوضّح فيها أنّ وجوده في البحيرة كان لكتابة رواية حول صيد سمك الزّنجور والبحيرة موضوعها المركزيّ. لكنّه يجد نفسه يكتب رواية متخيّلة بعنوان “طريق أزغار” وهي ترصد ترحال أسرة غجريّة. والرّواية نفسها هي حكاية الأسرة الغجريّة الّتي أدهشت رؤى العازف. عندها يتأكّد العازف من صدق إحساس صديقه الأشقر حول كنه مصيرهما المشترك، إذ قال له في لقائهما الأوّل: “عندي إحساس غريب بأنّ شيئًا غامضًا تمامًا يجمع طريق ذاتي وطريق ذاتك أكثر ممّا يفرّقهما!”. ويكتب له في رسالته الّتي مع المخطوط “لم يكن صيد الزّنجور المرقّط هو ما يجمع طريق ذاتي وطريق ذاتك على كلّ حال، لنقل إنّه ذريعة فقط”.


متعة ومعرفة


و”موسم صيد الزّنجور” هو عنوان الرّواية الواقعيّة الّتي كتبها الأبكم ذو الإشارات الغريبة، صديق خال البطل. وهو أيضًا عنوان المؤلّف الموسيقيّ الخماسيّ نفسه الّذي سيؤلّفه جاره العجوز الكسيح في مدينته الفرنسيّة.

وأخيرًا تأتي صديقة العازف المغربيّة، الّتي تركت له اكتشاف المكان بطريقته، رفقة رجل في السّتّين مع امرأة في الخمسين وشاب في آخر الأربعين، لتنجلي حقيقة أنّ رجل الأربعين هو خاله الصّغير معلّم المدرسة، وامرأة الخمسين هي صديقة والدته “نوار” وزوجة رجل السّتّين خاله عازف الكمان، والصّديقة المغربيّة هي ابنتهما، أي ابنة خاله.

في الختام، ونتيجة لهذا التّزاوج بين المتعة والمعرفة اللتين يتمّ اكتسابهما من هذه الرّواية الّتي تقود القارئ إلى الانتباه إلى مجازفة الذّهاب في ما وراء ما يبدو عاديًّا ومألوفًا وواضحًا، بغية البحث عن نسق ملعون حلميّ/ مجنون/ مغويّ في عزلته، يحكم عبثيّة المصادفات وغموض الأشياء والتباس الوجود. فإنّه لا بدّ من إطلاق دعوة لتناول العوالم المتعدّدة لهذه الرّواية السّحريّة -ثيماتيّا وفنّيّا- ضمن قراءات تنشد الاستمتاع، وأخرى تتخصّص في دراستها في المستويين المغاربيّ والعربيّ، لأنّها نصّ يُعمل تأمّلات مهمّة في الفكر والحياة، ويستكنه عناصر مهمّة كالخيال والمغامرة والجمال والحلم واللعب والغواية والجنون والسّحر والعزلة والواقع والطّفولة.

17