موسى مصطفى موسى كومبارس سياسي بالمعنى المباشر للكلمة

الأحد 2018/02/04
كيف تدخل انتخابات تؤيد فيها المرشح المنافس

في مشهد شهير من مسرحية “الواد سيد الشغال”، بطولة الممثل الكوميدي عادل إمام، الذي كان يقوم بدور العامل في بيت عمر الحريري، رجل الأعمال الثري، يقول الحريري لعادل إمام، بلغة حاسمة وصيغة تنحو إلى الأمر أكثر من الطلب “سيد! إنت هتكتب كتابك على الهانم الصغيرة”.

استدعى كثير من المصريين هذا المشهد بمجرد إعلان رئيس حزب الغد موسى مصطفى موسى، أحد أكبر المؤيدين للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عن ترشحه للانتخابات الرئاسية المصرية، ضد السيسي.

اكتسب موسى لقب المرشح “الكومبارس” حتى من قبل أن يعرف عنه الناس شيئا. بعضهم لقبه بـ”المحلل” أو الجسر الذي سيعبر عليه السيسي بسهولة إلى فترة رئاسية ثانية، دون أن يطال صورتَه رذاذُ ماءٍ كثيرٍ طال في الأسبوعين الماضيين الانتخابات وترشيحاتها.

لعل موسى (65 عاما) مجرد اسم، في مشهد كان قد يسبقه إليه اسم آخر، حاول مسؤولون في الدولة استخدامه كسلعة يمكن بيعها للناس بثمن أعلى، بدءا برئيس حزب الوفد السيد البدوي أو أحد معاونيه، نزولا، في الوزن السياسي، إلى أكمل قرطام، رئيس حزب المحافظين، ثم انحدارا، في الوزن السياسي أيضا، إلى موسى، المعروف بعلاقاته الوطيدة مع مسؤولين أمنيين كبار.

يقول معارضون إن أجهزة الأمن لطالما مثلت بالنسبة لموسى دليلا طوال مشواره السياسي، انتهى إلى تحويل مسار “الاستفتاء الرئاسي” وإعادته مرة أخرى إلى شكل الانتخابات.

إرضاء السلطة

موسى رئيس حزب سياسي غير معروف خارج مصر. أحدث قراره بالترشح أمام السيسي ضجة واسعة، إذ أنه مؤسس حركة “مؤيدون” التي تضم شخصيات سياسية وحزبية لدعم وتأييد السيسي في الانتخابات الرئاسية، كما تبرع بإقامة العديد من الفعاليات في مختلف المحافظات المصرية للترويج لـ”إنجازات” السيسي.

أفرز الواقع السياسي في مصر شخصيات سياسية مستعدة للتضحية بكل شيء، ولا مانع لديها من تغيير مفهوم العمل السياسي من المعارضة الدائمة أو المتوازنة إلى التأييد المطلق للنظام، مقابل نيل رضا السلطة والتباهي بوجود علاقة مباشرة مع صانع القرار.

مشكلة هذه الفئة من السياسيين، تتمثل في أن هؤلاء لا يبالون بأي نقد يوجّه إليهم في هذا الشأن، ولهم منطق خاص بهم بعيد تماما عن مفاهيم وأدبيات العمل السياسي والحزبي، فهم ينظرون إلى كونهم سياسيين أو رؤساء أحزاب فإن مساندتهم للحكومة أو النظام عموما من صميم عملهم، لأن الأحزاب في تقديرهم لا بدّ وأن تكون مساندة للدولة.

هذه الفئة من الشخصيات أو الأحزاب، متهمة في نظر الكثيرين بأنها أحد الأسباب الرئيسية التي مهدت لوأد العمل الحزبي وانغلاق المشهد السياسي في مصر، وأنها عادة ما تستخدم كذريعة لتشويه صورة المعارضة الحقيقية، أو القيام بأدوار هامشية لتحسين صورة السلطة للإيحاء بأن الحراك السياسي موجود ولم ينته كما تروّج المعارضة.

لم يكن موسى ليترشح أمام السيسي لولا توحد التيارات والشخصيات والأحزاب المعارضة على رفض المشاركة في الانتخابات، وهو ما رآه موسى ورطة كبيرة للنظام، ولأنه يهوى التقرب مع أجهزة السلطة، وأقرّ بذلك في أكثر من مناسبة، فقد أقدم على خطوة الترشح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

عندما سُئل موسى عن اتهام حملة “داعمون” التي أسسها لمساندة السيسي وعلاقتها بالأجهزة الأمنية، رد بالقول “ياريت الأمن ينسّق معانا.. أنا لا أعرف أحدا في جهاز المخابرات، ولو هناك أيّ جهة رسمية بالدولة ترغب في العمل معنا أو توجّهنا وتساندنا فهذا شرف كبير، لأننا نعمل على مصلحة وهدف واحد وهو أن يكسب السيسي باكتساح”.

كلام موسى عن عدم وجود علاقة له مع الأمن يمكن فهمه في سياق أنه يريد تبرئة أجهزة الأمن من تهمة صناعة حملات داعمة لترشح السيسي لولاية حكم ثانية، وإبعادها عن توجيه شخصيات بعينها للترويج لفكرة ترشح السيسي بناء على طلب شعبي، لكن في الحقيقة كان لهذه الحملات صدى واسع عند السلطة بل وتدعمها من خلف الستار.

الواقع السياسي في مصر يفرز شخصيات سياسية مستعدة للتضحية بكل شيء، ولا مانع لديها من تغيير مفهوم العمل السياسي من المعارضة الدائمة أو المتوازنة إلى التأييد المطلق للنظام، مقابل نيل رضا السلطة والتباهي بوجود علاقة مباشرة مع صانع القرار.

ثأر الشريك

يُدرك رئيس حزب الغد أن حملات الهجوم الذي سوف تطاله خلال هذه الفترة من كل اتجاه، سوف تكون بلا سقف أو حدود، بعدما أفشل محاولات المعارضة في تحويل الانتخابات إلى استفتاء، لكن خطة تشويه صورته سوف تأخذ منحى ساخنا عبر إعلام الإخوان، وتحديدا قناة “الشرق” التي يرأس إدارتها أيمن نور المقيم في تركيا، والذي رأس من قبل حزب الغد.

لدى نور ثأر قديم مع موسى، حيث كانا شريكين في حزب الغد، وجرى النزاع بينهما، اتهم على إثره نور بتزوير مستندات رسمية للإيحاء بأنه الأحق برئاسة الحزب، ووصل الأمر إلى القضاء الذي حكم بسجن نور ومنح موسى الأحقية في رئاسة الحزب.

وينتظر أن تصل حملة الهجوم على موسى إلى أقصى مدى، بعدما وجد نور في ترشحه للانتخابات فرصة ثمينة للثأر منه وإخراج كل الملفات المسكوت عنها بشأن تاريخ الرجل الذي اقتنص منه رئاسة حزب الغد، وقام بتحريض “بلطجية” على حرق مكتبه، أي مكتب نور، الموجود داخل مقر الحزب بوسط القاهرة.

ويقول محللون إن ظاهرة “الكومبارس” باتت جزءا أساسيا من العملية السياسية في العالم العربي، خصوصا في الدول التي شهدت تغييرات جوهرية على الساحة السياسية، إثر احتجاجات شعبية أطاحت بأنظمة الحكم، في ما يعرف بـ”الربيع العربي”.

وبات الحكام في حاجة إلى إثبات ديناميكية العمل السياسية في البلد، دون أن يكون لذلك انعكاس على الواقع.

وأدّى غياب الخبرة السياسية في مجتمعات لم تعرف من قبل ممارسات سياسية حقيقية، إلى افتقار هذه الدول للبديل السياسي الذي يملك حلولا تقبلها الجماهير، كما أدت القبضة الأمنية القاسية إلى تفكك هياكل العمل السياسي، وتحول أجهزة الأمن إلى “أحزاب” تدير واقع الناس بحكم الأمر الواقع.

ويقول أكاديميون إن المرشحين باتوا يبحثون عن الممارسة السياسية باعتبارها غاية نهائية، دون النظر إلى تحقيق إنجازات تذكر.

انزواء المرشحين الكبار

أدرك المرشح السابق خالد علي، قبل أن ينسحب من السباق الأسبوع الماضي، هذه الحقيقة الصعبة، أنه يسير في نفس مسار المرشح المعارض في انتخابات 2014 حمدين صباحي، الذي حصل في النهاية على أقل من 3 بالمئة من الأصوات.

ورغم ذلك استمرت عجلة السياسة في الدوران، حتى بعد انزواء مرشحين كبار، قادرين على تشكيل خطر حقيقي على الحكم.

قرار موسى بالترشح أمام السيسي يثير ضجة واسعة، إذ أنه مؤسس حركة “مؤيدون” التي تضم شخصيات سياسية وحزبية لدعم وتأييد السيسي ذاته في الانتخابات الرئاسية

ومن بين هؤلاء الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء الأسبق، الذي تراجع عن الترشح، بينما كان يعوّل على الفئة التي تريد إحياء نظام مبارك باعتباره أحد رموزه.

أما الفريق سامي عنان رئيس أركان الجيش السابق الذي جرى اعتقاله لعدة تهم تتعلق بالتزوير وعدم الحصول على إذن من الجيش للترشح، فكانت له شعبية قوية عند الإخوان والرافضين لثورة 30 يونيو 2013 عموما، وهي التي أطاحت بحكم الإخوان، فضلا عن دعمه من جانب شريحة كبيرة من الناقمين على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

وبعكس كل هؤلاء، يخوض موسى سباق الانتخابات دون ظهير شعبي أو سياسي، فأكثرية الأحزاب المتناغمة مع السلطة أعلنت دعمها للسيسي، أما ما تبقى من أحزاب المعارضة فقد انقسمت بين مقاطعة للانتخابات والالتزام بالصمت حيال ما يجري على الساحة لتجنب أن يتم تصنيفها أو احتسابها على فصيل واحد.

في كنف والده

مشكلة هذا السياسي المرشح أنه يهوى العيش في كنف والده الراحل مصطفى موسى، ذلك السياسي المخضرم الذي كان عضو مجلس الأمة المصري سابقا (مجلس النواب حاليا) عن حزب الوفد، وزعيم الطليعة الوفدية، وكان مقربا بقوة من مصطفى باشا النحاس زعيم حزب الوفد قبل ثورة يوليو 1952.

لا يفرق موسى بين الحقبة السياسية التي كان والده يتمرس فيها العمل السياسي بمصر، وبين الوقت الراهن، لأن والده مصطفى دخل السياسة حين كانت مصر تحت الاحتلال البريطاني، وهو ما تطلب من أيّ سياسي أن يكون دوره الأبرز تخليص البلاد من المحتل، لذلك توحدت القوى السياسة على هدف واحد، من منظور وطني، بأن تكون المعارضة كلها في وجه الإنكليز.

يقول موسى عن ذلك “والدي هو من زرع في داخلي أن تكون ممارسة العمل السياسي منصبة على خدمة الناس والدفاع عن الوطن، وأنا أفعل ذلك مثلما تعلمت منه”.

لكن يبدو أن مفهوم الاصطفاف الوطني الذي ورثه موسى عن والده، وظفه وفق منطقه ومعتقداته الذاتية، ومارس النضال الوطني ضد معارضي الأنظمة الحاكمة، خلال عهدي حسني مبارك أو السيسي.

ارتباط موسى الشديد بما زرعه فيه والده من حتمية مساندة الدولة في ظروفها الصعبة جعله يتعامل مع المعارضين للنظام باعتبارهم معادين للاستقرار المجتمعي، ولهم أجندات ومآرب أخرى بعيدة عن المصلحة العامة، والأكثر من ذلك، أن الفئة الأعظم من السياسيين والمعارضين كانوا “منتحلي صفة” ويهوون “الشو” الإعلامي وإحداث البلبلة السياسية.

الفارق الشاسع بين موسى ووالده في تمرس العمل السياسي، أن الأخير كان مناضلا سياسيا ضد الاحتلال وليس تابعا لسلطة، امتد نضاله خارج حدود مصر، وبنى علاقات قوية مع الرؤساء الجزائريين تحديدا، وكان صديقا شخصيا للرئيس الجزائري السابق أحمد بن بلّة أول رئيس بعد الاستقلال، والرئيس هواري بومدين ثاني رؤساء الجزائر، فضلا عن الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة.

أزمة قيام أي سياسي بدور المكمّل والمجمّل في مصر تكرس سياسة الأمر الواقع بإقصاء منافسين حقيقيين من أمام النظام ليكون هناك بطل واحد هو رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي

ويقول موسى عن والده “حينما أراد المناضلون ضد الاحتلال في مصر، ومنهم أبي، تدشين مكتب في الجزائر تنطلق منه أصوات الدفاع والمقاومة ضد المحتل كان والدي يموّل هذا المكتب، واحتضن الجزائريين وكان من بينهم بوتفليقة، وحينما حدث التأميم سنة 1962 طلب الجزائريون من والدي أن يسافر إلى الجزائر ليشغل منصب المستشار الفني للرئاسة الجزائرية، وفعلا ذهب، ونفذ أعمالا إنشائية كبيرة ما زالت موجودة”.

من شدة ارتباط المناضل مصطفى موسى ببوتفليقة، أنهما عندما تشاركا في النضال ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر كان الاثنان يسكنان في مبنى واحد بالجزائر العاصمة، لكن بوتفليقه استبدل شقته بأخرى في ذات المبنى حتى يتمكن من ضم الشقتين معا، وبعد وصوله إلى السلطة أطلق اسم مصطفى موسى على أحد شوارع العاصمة الجزائرية.

وإذا كان موسى يدرك جيدا أنه خسر الانتخابات أمام السيسي قبل أن يخوضها، وعدد الأصوات الباطلة ربما تكون أعلى من الأصوات التي سيحصل عليها، فإنه يتعامل مع الموقف الراهن من زاوية أن مساندة النظام وإنقاذه من ورطة غياب المنافسين في الانتخابات على أنهما هدف نبيل ووطني.

أقر موسى بذلك في تصريحات لـ”العرب” قال فيها “لم أكن لأخوض الانتخابات أمام السيسي الذي أدعمه بقوة للفوز بالانتخابات، لولا أنني وجدت أن الساحة خالية من المرشحين، وهو ما كان سيعرض النظام لورطة ويسيء إليه، فلا مانع من أن أبادر وأقوم بدور المنافس”.

والدور الذي يقوم به موسى مصطفى هذه الفترة، يبدو صورة مكررة من الدور الذي قام به نعمان جمعة رئيس حزب الوفد الأسبق، عندما ترشح ضد الرئيس الأسبق حسني مبارك في انتخابات العام 2005، وحصل آنذاك على المركز الثالث بعدد قليل للغاية من الأصوات، وجاء تاليا لأيمن نور، وكان النظام بحاجة إلى منافسين لمبارك للإيحاء بوجود منافسة وحراك سياسي.

لذلك تتعامل المعارضة المصرية، وشريحة كبيرة من المجتمع مع ترشح موسى، على أنه أضاع فرصة أن يستفيق النظام مرة أخرى ويدرك خطورة استمرار أغلق المجال العام أمام الأحزاب والحركات والتيارات السياسية والتضييق عليها لعدم القيام بدورها في تأسيس دولة ديمقراطية فيها الرأي والرأي الآخر.

أزمة استمرار قيام أي سياسي أو حزبي بدور المكمّل والمجمّل في مصر، أنها تكرس سياسة الأمر الواقع بإقصاء منافسين حقيقيين من أمام النظام ليكون هناك بطل واحد هو رئيس الجمهورية.

8