موسيقار مصري يحاول إدخال الموسيقى العربية إلى المنهج الفرنسي

الأحد 2018/01/14
مصطفى فهمي: الموسيقى جسر روحي بين الثقافات

ما إن أنهى الموسيقي وعازف الكمان المصريّ مصطفى فهمي دراسته في باريس عام 2015 حتى بدأ بتأسيس مدرسة الموسيقى المصرية بالتعاون مع المركز الثقافي المصري في باريس، وقبل ذلك، كان قد نظّم مجموعة من الورش الموسيقية داخل المركز بالتعاون مع عدد من معاهد الموسيقى الكلاسيكية، كما أقام عددا من الحفلات في فرنسا وأوروبا تحمل الطابع الشرقي بشكل عام والمصري بشكل خاص، بالإضافة إلى إطلاقه عددا من الفرق الموسيقية التي تهدف إلى تحديث المحتوى الموسيقي العربي.

“العرب” التقت مصطفى فهمي في حديث عن مسيرته المهنيّة وتجربته في تأسيس مدرسة الموسيقى المصريّة بباريس.

بدأ فهمي دراسة الموسيقى في عمر مبكر، إذ التحق بأكاديمية الفنون بالقاهرة عام 1994 ولم يكن أتم الـ6 سنوات، وما إن تخرج من المعهد العالي للموسيقى حتى التحق بأوركسترا القاهرة ليبدأ مسيرته كموسيقيّ محترف سواء في مصر أو أوروبا، ليسافر بعدها لدراسة الموسيقى الكلاسيكية في باريس، يقول الموسيقي “وقعت في غرام الفنون منذ كنت صغيرا وعرفت أهمية التعاون بين الفنانين لمد جسور التواصل المختلفة، وخلال رحلاتي الكثيرة شاركت في عدد كبير من المهرجانات والفعاليات بهدف خلق نوع جديد من التواصل على المستوى الدوليّ، ومع نضج وعيي الجمالي حاولت استخدام مهاراتي الفنية للتواصل مع الحضارات الأخرى لتصبح الموسيقى جواز سفري إلى العالم من الشرق الأقصى حتى أبرز العواصم الأوروبيّة، مرورا بالعالم العربيّ”.

استراتيجيّة المدرسة على المدى البعيد هي العمل مع طلاب الموسيقى داخل الكونسيرفتوار في فرنسا، إلى جانب تطوير برامج للتعاون مع معاهد الموسيقى في الوطن العربي

حلم قديم

يقول فهمي إن مشروع المدرسة في باريس لم يكن وليد اللحظة إلا أن العديد من الصدف ساهمت بتبلوره، إذ وصل إلى باريس عام 2011 لمتابعة دراسته الأكاديمية التي ما إن أنهاها حتى بدأت تتبلور لديه فكرة المدرسة، وذلك إثر الاحتكاك المباشر بالمؤسسات التعليمية في باريس، وكذلك بسبب موضوع بحثه الجامعيّ عن المقامات العربية والمؤلفات الموسيقيّة المصرية. ويضيف “بدأت بتأسيس المدرسة بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية والمكتب الثقافي المصري لإقامة ورشة عمل في كونسيرفتوار باريس، عن موسيقى الفنان عبده داغر عازف الكمان والمؤلف الموسيقي، لتكون هذه الورشة لحظة ميلاد المدرسة في العاصمة الفرنسية”.

وأثناء تأسيس المدرسة وسعيه لاختيار المدرسين بحث فهمي عن العازفين الأكاديميين المختصين بالموسيقى الشرقيّة في باريس بحيث تكون هناك لغة مشتركة بينهم واطلاع كاف على الموسيقى الكلاسيكيّة، إلا أن العقبة التي واجهته كانت ضبط أسلوب العزف واختلاف طريقة صنع الآلات والمناهج الموسيقية بين الدول العربية، ويقول إنه بعد رحلة بحث طويلة تمكن من إيجاد العناصر المناسبة التي تستطيع نقل التراث الكلاسيكي العربي بصورة معاصرة، ففصل القانون على سبيل المثال يديره الأكاديمي اللبنانيّ إيلي أشقر الحاصل على دكتوراه في تاريخ آلة القانون حسب المنهج المصري، إلى جانب آلات أخرى يقوم هو بتدريسها أو بالاستعانة بمدرّسين استضافهم من مصر لفترات محددة لتوسيع نشاط المدرسة وجعل الطلاب على تماس مباشر مع الموسيقيين الشرقيين.

احتراف أكاديمي

يتحدث فهمي عن كيفية بنائه واختياره للمنهج المعتمد وذلك عبر الاطلاع على مدارس موسيقيّة أخرى في باريس تعمل على مناهج مشتركة من دون تخصص، ما دفعه لجعل المدرسة تتخصص في المنهج المصري، وذلك للتعريف به بشكل أكاديمي واحترافي. ويضيف “تسعى المدرسة للعمل مع الموسيقيين المحترفين لمجاراة المنهج الفني المعاصر في الغرب، وخصوصا أن هناك مرحلة انفتاح يمر بها الكونسيرفتوار في أوروبا، لكن أبوابها مفتوحة أيضا للهواة والمبتدئين عبر مناهج مستخدمة في كل من مصر وأوروبا، سواء في ما يخصّ نظريات الموسيقى العربية أو الغربية، إلى جانب تعليم طرق عزف الآلات على المنهج المصري وأساسياته. أما بخصوص المحتوى الفني فهو متنوع بين التقليدي والفلكلوري والأغاني المعاصرة، لكن الأهم يظل احتراف الآلة وفهم طرق التعامل معها وقراءة النوتة الموسيقية”.

للمدرسة دور في تقديم وتطوير أنواع جديدة من الموسيقات عن طريق دمج الألحان التقليدية مع الأساليب المعاصرة كالموسيقى الإلكترونية أو الجاز

ويضيف الموسيقار أن استراتيجيّة المدرسة على المدى البعيد هي العمل مع طلاب الموسيقى داخل الكونسيرفتوار في فرنسا، إلى جانب تطوير برامج للتعاون مع معاهد الموسيقى في الوطن العربي، لاعتماد شهادة دبلوم موسيقى عربية في فرنسا، ما من شأنه أن يساهم، في المستقبل، في تخريج جيل من الموسيقيين المحترفين بعد اجتياز امتحان التخرج.

نشاطات شتى

تنظم المدرسة إلى جانب الصفوف التعليميّة ورشا وأياما مفتوحة للتعرف على الآلات الموسيقيّة وطرق صناعتها. فضمن آخر ورشة استضافت المدرسة مغنية الفلكلور هند الراوي، التي قدمت نماذج من الفلكلور المصري تتعلق بالغناء والملابس من مناطق مصر المختلفة، كما استضافت عازف الناي جون سامي، من الفرقة الوطنية للموسيقى العربية في مصر، لتعريف الطلاب على آلة الناي والنماذج المختلفة منها. كما حضر أيضا عازف الإيقاع الشرقي أمير عزت، الذي إلى جانب كونه موسيقيا محترفا هو مختص بصناعة الآلات الإيقاعيّة باستخدام مواد طبيعية على الطرق القديمة كالفخار وجلد السمك والماعز. وتسعى المدرسة، أيضا، للتعريف بالآلات الموسيقيّة الأصلية عبر معارض تساهم في نشر هذا النوع من الموسيقى، وقد نظمت المدرسة عددا من الحفلات المتنوعة العام الماضي شارك فيها فنانون من تونس والمغرب ولبنان والأرجنتين وبلجيكا وتوغو وفرنسا.

ويضيف أخيرا “للمدرسة دور في تقديم وتطوير أنواع جديدة من الموسيقات عن طريق دمج الألحان التقليدية مع الأساليب المعاصرة كالموسيقى الإلكترونية أو الجاز كتجربة ‘نوبة بلوز′ وفرقة ‘روح الشرق’ و’المشروع الشرقي الإلكتروني’ التي يمكن تصنيفها ضمن فئات الموسيقى البديلة، لكن بصيغة احترافية تدعو لنشر الموسيقات الشرقية والحث على تعلّمها وربطها بتناغم مع موسيقات العالم”.

كاتب من سوريا

14