موسيقى "الراب" تتمرد على المجتمع المصري

فن لا يحتاج إلى خامات صوتية عالية بقدر اهتمامه بقوة الكلمات والموسيقى.
الأربعاء 2018/08/29
نقد سياسي مستتر

ذاع صيت فن “الراب” في مصر، عندما بدأ مطربوه يضفون عليه طابعا انتقاديا لبعض التصرفات المجتمعية، وتزايد انتشاره، عندما اتخذه مغنون أداة لنقد الكثير من الممارسات السياسية، ما جذب إليه أنظار شريحة من الشباب، خاصة خلال ثورة 25 يناير 2011، والتي اعتبرها بعض النقاد الميلاد الحقيقي لـ”الراب” في مصر

إنجي سمير

القاهرة – حقّقت أغنية للفنان أحمد مكي “آخر شقاوة” نجاحا كبيرا وجذبت قطاعات مهمة من الشباب في مصر، ووصلت نسبة مشاهدتها على موقع يوتيوب إلى أكثر من 10 ملايين مشاهدة، لتعيد تسليط الضوء على تلك الحالة الغنائية الفريدة المعروفة بـ”الراب”، وقدرتها على تحريك بعض القضايا المجتمعية.

وتمثل موسيقى “الراب” فنا قائما بذاته، بعد أن نجح على مدار عقود في فرض نفسه عالميا، وحقّق شعبية واسعة، وتكمن قوته في عناصره المتمردة التي لا تحتاج إلى مهارات كبيرة، لكنها تستطيع التعبير عن حالات إنسانية وسياسية تفتقدها بعض الألوان الغنائية الأخرى.

قال الفنان أحمد مكي لـ”العرب”، إن “الراب” هو بمثابة تعبير عن الذات والشارع والحياة، مؤكدا أن حالة هذه الموسيقى التي انتشرت في العالم العربي بشكل واسع تبدو وكأنها لون موسيقي جديد حقّق شعبية كبيرة، بينما هي تحمل داخلها أسلوبا فريدا يحرّض على تبني أفكار وكلمات احتجاجية ضد أوضاع سياسية واجتماعية.

ولا تحتاج أغاني “الراب” لمطرب يملك خامات صوتية مميزة، لأنها تعتمد في الأساس على قوة الكلمات والموسيقى، الأمر الذي دفع عددا كبيرا من المطربين إلى تقديم هذا النوع، والذي بدأ ينتشر في مصر مع دخول الممثل أحمد الفيشاوي، قبل أن يلحق به آخرون كوّنوا فرقا متخصّصة حقّقت نجاحات عريضة.

وبات هناك متخصّصون أبرزهم، فرقة كاريكا، وزاب ثروت الذي يقدّم أغاني معظمها يميل إلى الطابع الاجتماعي، مثل محاربة التحرش، وآخر أغانيه “نور” بمشاركة الفنانة أمينة خليل، وفريق “أم.تي.أم” MTM صاحب أغنية “أمي مسافرة” التي تعتبر نقطة تحوّل لهذه الموسيقى في مصر.

ويظن البعض أن عدم حاجة مطرب “الراب” إلى صوت جميل يجعل غناءه أمرا سهلا دون أن يعلم أن لكل شيء قواعد، حيث يحتاج هذا الغناء إلى كلمات مدروسة ومكتوبة بعناية تتناسب مع الإيقاع السريع وتعبر عمّا يعاني منه مستمعو هذا اللون، ممّن تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما.

نجاح أغنية "آخر شقاوة" لأحمد مكي، كشف قدرة أغاني "الراب" على التعبير عن واقع الشباب أكثر من ألوان غنائية أخرى
نجاح أغنية "آخر شقاوة" لأحمد مكي، كشف قدرة أغاني "الراب" على التعبير عن واقع الشباب أكثر من ألوان غنائية أخرى

ويرى خبراء أن سبب انتشار هذا الغناء بين الشباب يعود إلى طبيعة الموسيقى المتمردة والقائمة على النقد اللاذع، ويربط البعض بين ازدياد معدلات قمع الحريات وقلة منابر التعبير عن الرأي، وبين ازدهار تلك النوعية من الأغاني، التي تمثل ستارا للباحثين عن الحرية.

وهو الأمر الذي يفسر معاناة أغلب مطربي “الراب” الذين يتعرضون لعوائق رقابية، لكل من يحاول الانتقاد أو التعرض لأمور سياسية، والتي تعد أحد أساسيات موسيقى “الراب”.

وأوضح أحمد مكي لـ”العرب”، أن موسيقى الراب من الفنون التي تتسم بالمصداقية، وتعبر عن الشارع، وهو ما يجعلها مختلفة عن نوعية الأغاني التي تأخذ الجمهور إلى عالم من الخيال، لذا ينبغي أن تتوافر مواصفات معينة في مطربيها، مثل قدرته على التعبير عن صعوبات الحياة مع قدر بسيط من الثقافة تمكنه من صياغة الكلمات والجمل بشكل منظم.

وأضاف أن هذا اللون الغنائي لا يحظى بالانتشار الكافي في مصر، وتنفيذه يتم بشكل سيء أحيانا، وهو ما يدفعه شخصيا إلى تقديمه بأسلوب مختلف عن السائد.

وربما ساعدت الأصول الجزائرية للفنان أحمد مكي في إجادة هذا اللون المنتشر في الجزائر، وجعلته أحد المتميزين فيه، بل ومن العلامات البارزة في مصر، والتي تظهر أيضا في عدد كبير من أفلامه ومسلسلاته.

يمتلك “الراب” بشكل عام، قدرة على طرح أي قضية أو رسالة للحديث عنها بصورة أوسع وأكثر جذبا، ما جعل البعض يصنف هذا اللون، بعد ظهوره في الولايات المتحدة بأنه “أداة أقوى من تنظيم الاحتجاجات أو المؤتمرات التوعوية”.

ويتفق تاكي، عضو فريق “أم.تي.أم”، مع القول إن قوة “الراب” تكمن في كلماته وقدرته على توعية مستمعيه بشكل ترفيهي وسياسي مُمتع، مشيرا إلى أن كلمات هذه الموسيقى “أكثر ما يجذب الشباب، لأنها تتناول الأحداث والوقائع الحقيقية، وليست مثل الأغاني التي تسلط الضوء على الرومانسية والدراما، وهذا ما يقرب الجمهور إلى موسيقى الراب”.

وأشار إلى أن أهم ما تتميز به موسيقى “الراب”، قدرتها على تسليط الضوء على شيء محدد أو إيصال رسالة ما، واصفا إياه بـ”اللوحة المرسومة التي تبلّغ رسالة، وبالتالي يقوم كل مطرب بتوصيل رسائل اجتماعية أو شخصية أو حتى سياسية”.

وتظل المشكلة التي تواجه بعض مطربي هذا اللون من الموسيقى تكمن في عدم التمتع بصوت جميل يمنحهم القدرة على إقامة حفلات غنائية يحتك فيها المطرب مع الجمهور ويتفاعل معه بشكل مباشر.

وتثير موسيقى “الراب” نوعا من الجدل لدى بعض النقاد الذين يعتبرونها “استيرادا أميركيا”، وتقليدا لثقافة تختلف عن الثقافة العربية، لكن هؤلاء يتجاهلون عمق التغيرات في المجتمعات وقدرة الشباب على الجري وراء الموجات العالمية في الموسيقى.

وقالت ياسمين فراج، الأستاذة بأكاديمية الفنون، لـ”العرب”، إن فن “الراب” يعد نوعا من الفنون التي تحمل بين طياتها أغراضا سياسية، وكانت بداية ظهوره في الولايات المتحدة وانتشر بين أصحاب البشرة السمراء، احتجاجا على ما يتعرضون له من تمييز وعنصرية.

وأكدت أن مصر بها رقابة مشدّدة، ولا يجرؤ أحد على تقديم نقد سياسي من خلال أغنية، لتعتمد أغاني “الراب” انتقاد المجتمع، وهو “نقد سياسي مستتر”، لأن الأنظمة الحاكمة هي التي تشكل وجدان المجتمع، من خلال التعليم والإعلام والثقافة والفن، مدللة على ذلك بأغنية أحمد مكي “وقفة ناصية زمان” التي سلط فيها الضوء على افتقاد الأخلاق والشهامة نتيجة التفكك الأسري وقسوة الظروف الاقتصادية، وكلها مواقف تتعلق بتوجهات حكومية ولها دلالات سياسية.

16