موسيقى الشارع تروي عطش التونسيين للبهجة

منذ عدة أشهر، أصبحت شوارع العاصمة التونسية الرئيسية تنبض على وقع “موسيقى الشارع” بعد أن غزت فرق هاوية الطرقات ضمن ظاهرة فنية لم تكن مألوفة لدى التونسيين قبل ثورة 14 يناير 2011.
السبت 2017/02/25
إيقاعات في شارع الحبيب بورقيبة تنسي التونسيين والسياح تعب يوم شاق

تونس - فنون عدة، على غرار الموسيقى والرسم والرقص، اتخذت الشوارع مسرحا لها بعد أن باتت مفتوحة لممارسة كافة أشكال “المقاومة الثقافية” أمام الفنانين الذين لم تتح لهم الفرصة لتقديم مواهبهم في القاعات “الراقية”، وفق شهادات عدد من فناني الشارع في تونس.

إدخال البهجة على قلوب السكان المتعطشين للفن ومجابهة “السيطرة الأمنية” التي كانت تقمع التجمعات الموسيقية والفنية في الشوارع لنحو 23 عاما، هما من بين أبرز أهداف الموسيقيين المنتشرين في الطرق الرئيسية للعاصمة التونسية.

ويغص شارع الحبيب بورقيبة وسط تونس، بعد ظهر كل يوم، بالمارة للاستمتاع بأنغام المجموعات الموسيقية الهاوية، من بينها فرقة “أنصار السلام” التي تضم 6 عازفين وفنانين وتقدم عرضا موسيقيا على وقع أنغام مغربيّة تتحدث عن الغربة والحرمان والحرية.

نجيب بن مفتاحي، مؤسس فرقة “أنصار السلام” قال إن الشارع يعد بالنسبة إليه “مجالا لممارسة فنه بطريقة تحررية دون قيود وليدخل السعادة والفرحة في قلوب الجمهور”.

وأضاف أن “هذه الفرقة بدأت نشاطها الغنائي في عهد النظام السابق في الثمانينات من القرن الماضي، إلا أنها تعرضت لمضايقات من قبل الشرطة التونسية (لتسليطها الضوء على السلبيات آنذاك ما اعتبره النظام معارضة له)، وبفضل ثورة 14 يناير 2011 تغير الوضع وعادت الفرقة إلى السـاحة الموسيـقية لتقدم طابعـها الخـاص”.

وأشار إلى أن “هذه المجموعة لها إنتاج فني خاص بها وفي رصيدها 20 أغنية تنهل من موسيقى فرقة ‘ناس الغيوان’ التي تقدم أغاني من التراث المغربي”.

الغناء في الشارع ذو بعد رمزي يدّل على الواقع الحالي الذي يعيشه التونسيون ويهدف إلى مقاومة الإرهاب بالثقافة والفن وتنشيط المدن وإمتاع التونسيين بلذة الموسيقى

وتتكون فرقة “أنصار السلام” من 6 عازفين ومغنين يعزفون على آلات موسيقية من التراث المغاربي والأفريقي الصحراوي مثل “البانجو” و”القمبري” و”البندير” و”الطبيلات” و”الشقاشق” و”الدجمباي” و”البنقوس”.

وأوضح بن مفتاحي أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة لم تمارس مضايقات على الفرق الفنية، إلا أنها مازالت تنتهج سياسة الإقصاء والتهميش ولم توفر الدعم المادي لفناني الشارع.

وقال مؤسس فرقة “أنصار السلام” إن “الفن الملتزم في تونس غير منتشر بالرغم من وجود عدد كبير من عشاق الأغنية الغيوانية (نسبة إلى موسيقى ناس الغيوان المغربية) وأغاني الشيخ إمام (فنان مصري 1918-1995)”.

ولفت إلى أن هذه النوعية من الموسيقى تطرح من خلال إيقاع سلس قضايا الشباب التونسي الذي يعاني التهميش والبطالة والهجرة غير الشرعية.

كما أكد أن “الغناء في الشارع ذو بعد رمزي يدّل على الواقع الحالي الذي يعيشه التونسيون ويهدف إلى مقاومة الإرهاب بالثقافة والفن وتنشيط المدن وإمتاع التونسيين بلذة الموسيقى.

وبمجرد انطلاق النغمات الموسيقية التي تصدر عن هذه الفرق، يسارع المارة إلى الوقوف لدقائق من أجل إمتاع آذانهم بمعزوفات تريحهم من تعب يوم عمل شاق. فهذه الموسيقى تجذب جميع الفئات من شباب ومسنين وأطفال وسياح كذلك، وذلك لما تصنعه من بهجة وفرح وما تعكسه من ثقافات الشعوب وأوجاعها”.

وعبر محمد، وهو أحد المارة الذي استوقفته هذه الموسيقى صحبة أبنائه، عن إعجابه لما يقدمه هؤلاء من أغان هادفة وجادة ولما تضفيه من غبطة وسرور على وجوه التونسيين.

وقال إن “هذه الموسيقى تذكرني بأغاني الصحراء في جنوب البلاد التونسية”.

ورقصت فاني، السائحة الفرنسية التي تزور تونس للمرة الأولى، وصفّقت هي وطفليها على أنغام تلك الموسيقى. وقالت “إنها أجواء لطيفة ممتعة. لقد استمتعت أنا وطفليَ. كما أن الطقس بجماله يشجع على الرقص والغناء والتجول في شوارع البلاد بكل تلقائية”.

الفن الملتزم يطرح من خلال إيقاع سلس قضايا الشباب التونسي الذي يعاني التهميش والبطالة والهجرة غير الشرعية

أما الفنان أسامة الطرابلسي، فاعتبر أن “صعود موجة فن الشارع في تونس مكن الشباب المبدع الذي لم يجد فضاء مناسبا يمارس فيه هواياته من تقديم عروضه الفنية، كما يمكن كذلك المتفرج الذي لا يجد إمكانيات مادية للتوجه إلى المسارح والمهرجانات من الاستمتاع بأغان هادفة وجميلة على قارعة الطريق وبطريقة مجانية”.

وقال أسامة بركة، وهو عازف ضمن الفرقة الموسيقية، إنه “يعزف على آلة القمبري وهي من الآلات الوترية الأفريقية التي تتميز بنغمة خاصة، وهي مزيج بين الجو الروحي الصوفي والخمريات”. وتابع “تونس أرض الحب وأرض التسامح والفن والحضارات. فالإرهاب لا يستطيع أن يفرقنا أو أن ينخرنا. لأن الفن يظل متجذرا فينا”.

وأوضح أن “الثورة هي في الأصل ثورة جياع وقادها معطلون عن العمل وأناس مظلومون في السجون، لذلك تقوم فرقة أنصار السلام بنشر الفرحة والفن عوض نشر الإرهاب والفكر المتطرف”.

24