موسيقى الشارع فن شبابي يغزو شوارع الرباط

تعد فرق «الأندرغراوند» الموسيقية ظاهرة فنية معروفة جدا في البلدان الغربية لكنها لا تزال تجربة حديثة في البلدان العربية التي بدأت عواصمها ومدنها الكبرى في السنوات الأخيرة تحتضن مواهب فنية شبابية مستقلة تحمل آلات موسيقية وتذهب إلى الجمهور أينما كان لنشر ألحانها وأغانيها على أرصفة الطرقات.
الاثنين 2017/02/06
موسيقى "الأندرغراوند" تشهد اقبالا من الجمهور في شوارع الرباط

الرباط- يشكل شارع محمد الخامس، القلب النابض لمدينة الرباط بحكم تواجد البرلمان في وسطه، وجهة لزائري العاصمة المغربية الأجانب والمواطنين فضلا عن أنه مقصد غالبية الجمعيات والنقابات والأفراد الراغبين في التعبير عن احتجاجاتهم. لكن منذ أشهر قليلة راح هذا الشارع يشهد توافد أشخاص جدد مختلفين عما اعتاده وسط العاصمة مع ترحيب المارة وتسامح السلطات التي اعتادت الاستنفار والترقب حفاظا على الأمن العام.

هؤلاء الوافدون الجدد هم موسيقيون شباب يحملون آلات موسيقية تكون متصلة أحيانا بمكبرات صوت صغيرة محمولة، يختارون إحدى زوايا هذا الشارع التاريخي الذي رسمه مهندس فرنسي في عشرينات القرن الماضي إبان عهد الحماية، ليطلقوا العنان لألحانهم وأغانيهم. ويقول سوريت سياف (20 سنة) وهو يداعب بأصابعه أوتار غيتار إلكتروني “الكثير من الناس يتوقفون لمشاهدة عروضنا والاستماع إلينا أو تشجيعنا، وثمة من يلتقط صور سيلفي معنا”، معلقا بابتسامة “نحن نمنح بعض الفرح للناس”.

يمسك هذا الشاب بالمذياع وسط المقار الإدارية والمباني المشيدة على طراز “آر ديكو” التي يقارب عمرها قرنا من الزمن، يرافقه في عرضه الموسيقي على آلة البوق النحاسية تيلمان وهو شاب ألماني يجوب العالم. ويقول سياف “تخليت عن دراستي لأكرس نفسي للموسيقى، وهذا ما أقوم به يوميا في الشارع”. ويتوقف بعض المارة قليلا للاستماع إلى الموسيقى ويتركون أحيانا بعض المال في القبعة التي وضعها سياف أمامه على الأرض.

ويعلق عادل المرشد السياحي الأربعيني على انتشار الموسيقى في شوارع المدن المغربية قائلا “كانت هذه الأجواء قائمة خصوصا في مدينة الصويرة (المعروفة بمهرجان كناوة العالمي للموسيقى)، لكن مثل هذه الفرق صارت تنتشر اليوم في المدن الرئيسية أيضا”. وعلى بعد حوالي مئة متر من سياف، ومع اقتراب مغيب الشمس يتجمع موسيقيون آخرون وراقصو هيب هوب و”فنانون” من أنواع شتى وسط ساحة قبالة البرلمان المغربي للقيام بوصلات موسيقى ورقص ارتجالية أو حركات بهلوانية لاستقطاب المارة.

وخلفت هذه الظاهرة التي بدأت تنتشر في شوارع العاصمة المغربية منذ ثلاثة أو أربعة أشهر بحسب شهادات المارة، جوا وديا في الفضاء العام، وغيرت إيقاعات الاحتجاج المعتادة في شارع محمد الخامس لتحل مكانها إيقاعات جديدة. إلا أن الجديد هو أن الشرطة التي ينتشر أفرادها بأعداد كبيرة وبلباس رسمي أو غير رسمي في الشارع، تكاد لا تتدخل لفض التجمعات المحيطة بالموسيقيين مع أن القانون المغربي يمنع التجمهر من دون ترخيص أو إخبار السلطات.

في المقابل شددت سلطات محافظة الرباط منذ مطلع 2017 حملاتها للقضاء على ظاهرة التسول التي شهدت خلال السنوات الأخيرة انتشارا كبيرا في العاصمة مس صورتها وأزعج السكان والزوار. وتعلق سميرة كيناني، المسؤولة المحلية في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الرباط، قائلة “هناك نوع من التسامح تجاه هؤلاء الموسيقيين الذين نلحظ انتشارهم أيضا في مدينة الدار البيضاء”.

ويقول أيوب، أحد هؤلاء المغنين وهو تلميذ في المدرسة الثانوية، “بسبب غياب الترخيص، تطلب منا الشرطة أحيانا مغادرة المكان”، مضيفا أنه يأتي إلى الشارع لعزف الموسيقى “والتغلب على رهاب المسرح وكسب بعض المال”. ويفرض القانون المغربي على أي فنان يرغب في الأداء الفني في الأماكن العامة، الحصول على ترخيص مسبق. وأوضح عادل السعداني المنسق العام لجمعية “راسين” (جذور) للثقافة “إذا أراد فنان ما أن يؤدي (عملا فنيّا) في الفضاء العام، عليه أن يتقدم بطلب وكأنه سيقوم بنشاط أو حدث سياسي”.

وأضاف أن الجمعية أطلقت في مطلع نوفمبر عريضة وطنية لتمكين الفنانين المغاربة من الولوج إلى الفضاء العام بحرية. وقد جمعت هذه المبادرة 850 توقيعا حتى الآن. وبموجب الدستور المغربي والقانون التنظيمي الخاص بتقديم العرائض يمكن للمواطنين الذين جمعوا خمسة آلاف توقيع أن يتقدموا للسلطات بطلب في قضية معينة لدراسة إمكانية تطبيقها.

وقال مسؤول جمعية “راسين” أن “الفضاء العام يعتبر مجالا حيويا للمخزن (السلطات والإدارة)، ولا يمكنه أن يترك هذا المجال فارغا من دون مراقبة”، موضحا أن الغاية “هي تقريب الأنشطة الثقافية من الجمهور عبر فضاء عام يكون مفتوحا للفنانين ولحرية التعبير”. ويؤكد السعداني “في آخر المطاف عند فتح الفضاء العام أمام الفنانين سنعود إلى تقليد عتيق هو الحلقة” وهي عروض شعبية تقام خصوصا في الأسواق ولا تزال إلى اليوم منتشرة في عدة مناطق ولا سيما ساحة جامع الفنا الشهيرة في مدينة مراكش.

24