موسيقى العباسيين مازالت صادحة في آذاننا

الاثنين 2015/01/19
مع الانفتاح ترتقي الفنون الجميلة

القاهرة- شهدت الفنون الموسيقية العربية في العصر العباسي دفعة قوية لم تكن تعرف سابقتها من قبل، وازدهرت فنون الغناء وتعاطى الناس معها حتى انتشرت الذائقة الموسيقية بين العامة بعد أن كانت الفنون حكرا على الطبقات العليا من المجتمع.

يقول مؤرخون إنه حينما قام العباسيون على أنقاض بني أمية، بدأ عصر جديد للعرب ووضعت أسس الحياة الفكرية العظيمة في القرون التالية، وانتقل مركز النشاط الموسيقي من دمشق إلى بغداد.

ودخلت الموسيقى مع سائر الفنون والآداب في عصرها الذهبي خصوصا في عهد هارون الرشيد الذي أصبح اسمه يقترن، في الفكر العربي والعالمي دون استثناء، بالأمجاد العربية في الفنون والآداب والتي صورت أحيانا كالأساطير.

وقد ورد ذكر هارون الرشيد مئات المرات في قصص ألف ليلة وليلة التي كانت كلها حافلة بأعظم ما يصوره الإنسان من عظمة الرقص والغناء.

ولا بد أن المواهب الموسيقية التي اجتمعت في بلاط الرشيد أُنفقت عليها أموال طائلة. ومن أهم هذه المواهب: إبراهيم الموصلي، ابن جامع، زلزل، إسحاق الموصلي وغيرهم.

وكان ابن هارون الرشيد المفضل يسمى أبا عيسى، موسيقيا مجيدا ونجده يشترك في الحفلات الموسيقية في البلاط مع أخيه أحمد. كذلك كان شغف معظم الخلفاء العباسيين بالموسيقى عميقا. فقد كان الواثق أول خليفة يعتبر موسيقيّا حقيقيا.

في القرن العاشر الميلادي بدأت الموسيقى العربية تتأثر بأذواق دخيلة، بعضها من الفرس وبعضها من المغول والأتراك

ويشهد حماد بن إسحق الموصلي بأنه أعلم الخلفاء بهذا الفن، وأنه كان مغنيا بارعا وعازفا ماهرا على العود. وقد لقي الفن من التشجيع والكرم في بلاطه ما يجعل المرء يظن أنه تحول إلى معهد للموسيقى على رأسه إسحق الموصلي، بدلا من كونه مجلسا لأمير المؤمنين. وكان هارون ابن الخليفة موسيقيا موهوبا وعازفا لامعا.

ويرجع المؤرخون هذا الازدهار في الفنون إلى رغبة العباسيين في التفوق على مجد الساسانيين القدماء فضحّوا في سبيل العلم والفن، وتأسست في عهدهم المكتبات وبنيت المعاهد والمستشفيات والمعامل. وكان من الطبيعي أن يتقدم فن الموسيقى في تلك الظروف الملائمة، فظهر في العهد العباسي أشهر المغنين في الإسلام.

ولعل كتابات الكندي في الموسيقى هي أول بحوث جادة في هذا الفن في تاريخنا العربي. والجدير بالذكر أن الكندي في “رسالة في خبر تأليف الألحان” استعمل الرموز والأحرف الأبجدية للتدوين، فكان أول تدوين موسيقي عرفه العرب.

وبلغت الموسيقى العربية في العصر العباسي ذروة مجدها من ناحيتي الأداء الغنائي وانتشار العلوم والبحوث والدراسات الموسيقية. واستمرت بغداد حتى منتصف القرن التاسع الميلادي مركزا حيويا تنبعث منه إشعاعات النهضة الموسيقية العربية.

وكان الغناء هو مظهر النشاط الوحيد في الموسيقى. وفي أوائل القرن العاشر الميلادي بدأت الموسيقى العربية تتأثر بأذواق دخيلة، بعضها من الفرس والبعض الآخر من المغول والأتراك وغيرهم من الشعوب التي اتصلت عن طريق الحرب أو التجارة بالشعوب العربية، وكانت نتيجة هذا الاتصال ظهور سِمة غريبة في الموسيقى العربية لم تكن مألوفة من قبل، وهي الاهتمام البالغ بالموسيقى الآلية وتفضيلها غالبا على الغناء العربي التقليدي.

وكان القالب الموسيقي المعروف في ذلك الوقت هو نوع من المتتابعات الغنائية تسمى النوبة، وهي عبارة عن متتاليات تتكون من عدة أجزاء يسبق كل جزء منها افتتاحية موسيقية خاصة. وأتاحت هذه الطريقة لعازفي الآلات فرصة الأداء الآلي المتتابع.

بعد ذلك، تمت مرحلة مهمة هي بدء تقديم هذه المتتابعات بأداء موسيقي مرتجل تمخضتفي عنه التقاسيم الموسيقية التي ترتجل على الآلات العربية والتي لا تزال حتى اليوم مصاحبة للموال.

ورغم انتشار العود في ذلك الوقت، إلا أن بعض الآلات الموسيقية الأخرى أخذت تستخدم بكثرة، وأهمها القانون الذي استخدم في سوريا كثيرا منذ القرن العاشر الميلادي. وخلال هذا القرن استخدمت أول آلة موسيقية ذات القوس وهي الرباب. وكان القوس حينئذ يشبه القوس المستخدم في الحروب.

واستطاع العرب في سنوات قلائل أن يتفوقوا على الإغريق أنفسهم بعد أن أضافوا قواعد وأساليب جديدة في العزف والتلحين والأداء. وقد اعترف الإغريق بذلك، وبعد ذلك أدخلت الموسيقى العربية كمادة تعليمية في المدارس والجامعات.

الموسيقى العربية في العصر العباسي بلغت ذروة مجدها من ناحيتي الأداء الغنائي وانتشار العلوم والبحوث والدراسات الموسيقية

وتعترف الدوائر الموسيقية الغربية بأن العرب استطاعوا بين القرن التاسع والثالث عشر الميلادي أن يضعوا حوالي مئتي مصنف متفرع في سائر الفنون والعلوم الموسيقية، كما اعترفوا أن أربعة من هذه المصنفات ذات أهمية بالغة، حتى أنها أثرت في الموسيقى الغربية.

وجاءت رسالة في خبر تأليف الألحان للكندي على رأس هذه المصنفات، ويوجد هذا المخطوط الآن في المتحف البريطاني، ويشتمل على أول بحث في نظرية الموسيقى العربية، وفيه طرق خاصة للتدوين الموسيقي.

كما جاء من بينها كتاب “الموسيقى الكبير” للفارابي وهو أعظم الكتب الموسيقية على الإطلاق. وكان الجزء الخاص في كتاب “الشفاء” لابن سينا ثالث هذه المصنفات، وفيه جزء مهم للغاية عن النظرية الموسيقية العربية.

أما آخرها فكان كتاب “الأدوار” لصفي الدين. ويعترف كروسلي هولاند أن كل من كتب في النظريات الموسيقية بعد صفي الدين اعتمد اعتمادا كبيرا على كتاب الأدوار وجعله أساسا لبحوثه ودراساته.

ويقول مؤرخون إن عصر النهضة الموسيقية خلال حكم العباسيين مثّل مخزونا فريدا للإنسانية بشكل عام مكن كبار الموسيقيين من بناء مقطوعاتهم الموسيقية عليه.

وأن النهضة الموسيقية الغربية التي ظهرت منذ القرن السادس عشر في أوروبا، بدأت خطواتها الأولى باعتمادها تماما على ما وصل إليه العرب من تقدم في المجالين النظري والعملي في موسيقاهم.

وقد بلغت الموسيقى العربية شأنا عظيما عندما امتدت الإمبراطورية الإسلامية من الخليج إلى المحيط، ثم امتدت شمالا إلى أواسط أوروبا وجنوبا إلى الهند.
12