موسيقى القوالي الصوفية في باكستان تضيع بين الروك والتطرف

الاضطرابات الأمنية وهجوم داعش على أضرحة لأولياء صوفيين ونمط الحياة السريع عوامل أدت إلى أفول نجم هذا الفن.
الجمعة 2018/04/27
حضور غارق في حالة من النشوة

كراتشي – تواجه موسيقى القوّالي الصوفية في باكستان خطر الاندثار تحت تأثير الحداثة وإعراض الشباب عنها، وأيضا بسبب عداء المتطرّفين الذين لم يتورّعوا عن قتل أحد منشديها.

قبل عامين أصيب أمجد صبري، أحد أشهر المنشدين الصوفيين في باكستان برصاصات قاتلة في وضح النهار، في حادث وجّه ضربة كبيرة لهذا الفنّ الإسلامي القديم. ويتساءل شقيقه طلحة صبري “لماذا يكرهون القوّالي، لماذا يكرهون الموسيقى؟”.

ووصفت الشرطة جريمة اغتيال المنشد الصوفي الذائع الصيت في بلده والخارج، والتي نفّذها شابان على دراجة نارية، بأنها “عمل إرهابي”. وأقيمت مراسم تشييع حاشدة له في يونيو من العام 2016 شارك فيها الآلاف.

وفي مطلع أبريل، صادق الجيش على حكم بإعدام الشابين المدانين بالجريمة، لكن مُصدري الأمر بتنفيذه مازالوا مجهولين.

وتعود جذور القوّالي إلى القرن الثالث عشر، وهو يعدّ جزءا من الهويّة الوطنية للباكستانيين، وقد شكّل على مدى عصور طويلة رابطا اجتماعيا قويا يجمع سكان المدن بأهل القرى في الاحتفالات الدينية والمحلية.

ويقول المنشد الصوفي فايز علي فايز الذي ينحدر من مدينة شرقبور الباكستانية، “موسيقى القوَّالي الصوفية نشأت قبل سبعمئة عام، وذلك عندما جاء بعض العلماء والأولياء المسلمين إلى شبه القارة الهندية. ويتم أداء هذه الموسيقى في غناء جماعي، ونرافقه بعزف على آلتي أرغن وآلات إيقاعية، ونقوم بالإضافة إلى ذلك بالتصفيق حسب الإيقاع ونحن نغنِّي”.

وتمتاز موسيقى القوالي بتعدد إيقاعاتها الموسيقية، وتردد الفرقة أبياتا من قصائد شعراء صوفيين مثل جلال الدين الرومي، ممزوجة بابتهالات دينية محلية، ما يثري حسب المنشدين المقامات الموسيقية بنبرات صوفية.

وتمتد الاحتفالات الصوفية على ساعات عدة، يجول فيها المنشدون بين التآلفات الموسيقية والارتجالات المتقنة، فيما الجمع من الحضور غارق في حالة من النشوة.

بعض القوّالين تحوّلوا إلى الغناء الرائج، وقلّة منهم فقط حاولوا الصمود في هذا الفنّ من خلال الترويج لأعمالهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي

وعاش فن القوّالي عصره الذهبي في السبعينات من القرن الماضي، وكان القوّالون من آل صبري، وعلى رأسهم والدهم غلام فريد، يجوبون مناطق باكستان والعالم لتقديم فنّهم، فهي موسيقى تحمل معاني صوفية سامية وابتهالات دينية إسلامية، تدعو إلى التسامح وحب الخالق.

ويقول فايز علي فايز “القوَّالي هي أفضل وسيلة على الإطلاق من أجل الدعوة إلى التعايش السلمي بين الناس، إذا تم منحها في وسط كلِّ هذه الصراعات فرصة ومجالا للتعبير عن ذاتها. وهذه الموسيقى يمكن أن تجعل الناس لطفاء. وتدخل مباشرة قلوب الناس، عندما نعزف أو نلقي الشعر. وهي لا تنشر أي شكل من أشكال الإهانات أو التهديدات”.

وبعد وفاة غلام في العام 1994، تولّى أمجد قيادة الفرقة التي احتلت الشاشات وموجات الإذاعة. وصار أمجد أشبه بنجوم موسيقى الروك في الغرب، بحسب تشبيه الصحافي والموسيقي علي راج.

ويشكو المنشدون اليوم من الضغط الذي يواجهه هذا الفنّ، ويتحدّث البعض عن انحسار أعداد الزوايا التي تبدي استعدادها لاستقبالهم.

فالمجموعات الإسلامية المتشددة تناصب الصوفيين العداء وتخرجهم حتى من دائرة الإسلام.

وبعد أشهر على مقتل أمجد صبري، تبنّى تنظيم الدولة الإسلامية هجمات على أضرحة لأولياء صوفيين أودت بحياة مئة شخص. لكن الاضطرابات الأمنية والهجمات ليست السبب الوحيد في أفول نجم هذا الفن، بل إن نمط الحياة السريع جعل الكثير من الموسيقيين الباكستانيين يبتعدون عن قاعدتهم الشعبية، وصارت الطبقة الوسطى هي فقط المهتمة بوجود فرق من هذا النوع في مناسباتها الاجتماعية.

ويتذكّر المغني هاشم علي الأيام الخوالي حين كان الإنشاد في عصره الذهبي، ويقول “كان الفقراء أيضا يستطيعون تنظيم حفل قوّالي”.

وفي ظل هذه المتغيّرات، تحوّل بعض القوّالين إلى الغناء الرائج، وقلّة منهم فقط حاولوا الصمود في هذا الفنّ من خلال الترويج لأعمالهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ويقول محمد سعيد البالغ من العمر 24 عاما “الشباب لا يعرفون ما هو القوالي، بل يهتمون بأنواع موسيقية أخرى من الراب إلى الروك والبوب”، إضافة إلى موسيقى سينما بوليوود الهندية الشائعة كثيرا في باكستان.

ويقول طلحة صبري “نحن تحت الضغط، لكننا رغم كلّ ذلك مستمرون”.

ويقبل متذوقو الموسيقى التراثية والإنشاد الديني على مجالس القوالي الباكستانية لأنهم يعتقدون بقدرتها على دمجهم في روحانية العزف الصوفي.

ويعتبر الباكستانيون موسيقى القوالي جزءا من تراثهم الصوفي المهدد بالاندثار، ويرتفع الإقبال على هذا اللون الموسيقي مع اقتراب شهر رمضان.

20