موسيقى بيضاء

الاثنين 2014/01/20
جدارية "الانتظار" للفنان التركي ساركيس

باريس - الفنان التشكيلي التركي "ساركيس" المولود عام 1938 والمقيم بباريس منذ العام 1964، يتّخذ من الفن التشكيلي فضاء لإعادة صوغ التراث الإنساني صياغات تأخذ من عبق الماضي عطرَها ومن الحداثة جوهرَها. فهو لا يحفل باشتراطات المدارس التشكيلية وتنظيراتها قدر احتفاله، في لوحاته وتكويناته الفنية، بتحويل الأشكال المرئية إلى مواقف ذات قدرة على تعديل تصوّرات الإنسان عن مفردات معيشه.

يعتمد ساركيس في نظم تكويناته الفنية على مسحوق الذهب والطوب والورق والحرير والنحاس وخصوصا الألوان الزيتية البيضاء، وهو ما ينبئ بنزعة عنده في ملامسة كلّ ما هو روحيّ وصوفيّ وله رغبة في التجلّي للعين.

يقترح ساركيس في معرضه بغاليري "ناتالي أوباديا"، الذي ابتدأ من 9 يناير ويتواصل حتى فاتح مارس المقبل، مجموعة من أعماله تحت عنوان "في البدء كان البياض"، وهي أعمال تشتمل على لوحات ومنحوتات وتجهيزات تروم جميعها الإصغاء إلى حركة اللون الأبيض وهو يستشري في الفضاء بحرارة وهدوء مشكّلا سنفونية موسيقية بيضاء فيها كثير من الاحتفاء بالوجود في صفائه ونقائه، حتى لكأنّ اللوحة من لوحاته تهمس لرائيها بأن يُنصت للأبيض وهو يهدّئ من صخب العالَم ويوقّع سريان زمنه توقيعات حاملة لموسيقات شرقية وأخرى غربية تتآلف وتتخالف ولكنها تظلّ جميعها نغما جديدا محمولا في أعمال تشكيلية تسمعها العين قبل الأذن في كثير من التفاعل الجسدي والحسي.

المعرض يفاجئ زائره بهمس مبحوح منبعث من جداريتين أعاد عبرهما الفنان سركيس تأويل لوحة إدوارد مونك الشهيرة "الصرخة": الأولى تحمل عنوان "الانتظار" وتتألف من تنضيد لحجارة قرميدية، والثانية تحمل عنوان "بعد العصر الجليدي" وتتكوّن من تنضيد لرفوف معدنية، وتتألف كل واحدة منهما من مجموعة لمبات "نيون" يحدّها من كل جانب إطار رفيع من نحاس. وبفضل انصبابة ضوئها الحادّة، تمنحنا هذه التكوينات متعة الاستماع إلى نغمات بصريّة بيضاء تنتشر بكلّ حرية وعنفوان.

وبالمعرض أيقونات، وهي جداريات صغيرة، مسكونة بالأبيض في تجريده وتجاوزه، بحيث كلّما وقعت عليها العين انزلقت مع تجويفات عجينتها البيضاء صوب فضاءات حُلمية لا رقيب فيها سوى الحدس: حدس اللاممكن، وحدس اللامرئيّ.

يعرض ساركيس فيديو موسوم بـ"أبيض على أسود، ليل نهار" وفيه يكشف خصائص مادة "الأكواريل" وذلك عبر سبيل تليين ريشته بهذه المادة ثم غمسها بروية أمام عدسة الكاميرا في كوب مملوء ماءً، ما يمكّن من رؤية حركة تمتد بشكل دائري وتستحضر بتحولاتها عملية ولادة الكون.

16