موسيقى غناوة تبث الفرح في نفوس المغاربة رغم ارتباطها بمعاناة العبيد قديما

الاثنين 2016/01/18
باستحضار الألم ننشر البهجة والأمل

تحكي موسيقى غناوة المغربية للسامعين مشاعر لوعة وحزن يعزفها رجال بأثواب ملونة خاصة أمام منازل المغاربة، لجمع الهبات والصدقات في مدن كالرباط ومراكش والصويرة ومكناس وغيرها من المدن المغربية.

ويغني عازف موسيقى غناوة بلهجة أمازيغية أو دارجة مغربية معددا تنبؤاته عن مستقبل كل من يصادفه، فإن نالت تلك التنبّؤات إعجاب السامعين امتدت أكفّهم لتعطي العازف ما تيسر من المال وإن لم تنل استحسانهم انصرفوا عنه، ولكن عازف الآلة، المغني في الوقت نفسه، لا يملّ من ملاحقة المنصرف عنه مغيرا في عزفه وطريقة أدائه.

ويعلو صوت المغني بالصلاة على الرسول الكريم والثناء عليه، وهو يغني ملحونا، والملحون قصيدة باللهجة الدارجة المغربية مصحوبة بموسيقى أندلسية، وفيه مدح للخالق تعالى وتوسلات ثم يسرد من جديد “صحيفة تنبؤات جديدة” أكثر تفاؤلا للسامع! ويعدد له على أصابعه الأفراح القادمة، وما سوف يناله من حظ في الدنيا.

وتقول الفنانة ربيعة الشاهد التي عرضت في آخر معارضها على مسرح محمد الخامس وسط مدينة الرباط أكثر من ثلاثين لوحة تشكيلية رسمت فيها عازف موسيقى غناوة في وضعيات انتشاء مختلفة وهو يعزف على آلته، وسط جموع المتفرجين “موسيقى غناوة تُعزف بآلة قديمة تسمى ‘كمبري’ وتنقل أنغامها مشاعر لازمت الأفارقة منذ القدم عندما تم جلبهم في نهاية القرن السادس عشر الميلادي من مالي وغينيا ليباعوا كعبيد في شمال أفريقيا، وعلى وجه الخصوص في المغرب والجزائر”.

وجاء اسم غناوة من اسم “غينيا” مثلما يشير الباحث نزار الفراوي، وهو يتناول تاريخ هذه الموسيقى في المغرب وتاريخ الغناوة. ويعجب السامعون بموسيقى الغناوة لما تحمله من أشجان تعبر عن أوجاع وآهات الأجداد وما تعرّض له العبيد في أفريقيا من معاناة بسبب استعبادهم والمتاجرة بهم، حيث جيء بهم من أوطانهم عنوة مكبلين بالأصفاد إلى المغرب ليباعوا إلى تجار الرقيق قبل أربعة قرون.

فن غناوة اقترن في مناسبات عديدة بطقوس غرائبية وسحرية، أثرت على قيمته الفنية والتاريخية

ويصف الشاعر المغربي حسن نجمي أنغام ومعزوفات موسيقى غناوة بأنها حزينة، وذلك في أحد مقالاته عن الآلات الموسيقية الشعبية المستخدمة في موسيقى غناوة كالهجهوج، والكمبري، والكانكاه والطبل والصخم والقرقبات النحاسية، والبانجو الوتري، والرش المصحوبة بالتصفيق بالأيادي على ذات الوزن والإيقاع. ويقول إن ما يصدر عن هذه الآلات يتلاءم مع الأشعار التي تتردد في غناوة، وهي تحمل بقايا تراتيل وثنية وما تعلمه الأحفاد من إرث إسلامي صوفي في أمكنة الاستقرار الجديدة. كما أن تلك الأشعار والموسيقى تذكرنا بأصوات الصحراء التي قدموا منها بهذا الفن السمعي الفريد، ومن أبرز خصائص هذا الغناء ترديد أسماء الجان وأسماء مأخوذة عن خرافات مغربية، مثل حكايات للاّ مليكة وعيشة قنديشة وأحديدان. كما تذكر أسماء مطلسمة لا يمكن حفظها تبدأ بمولاي وأخرى تبدأ بسيدي.

ويشير المؤرخ الضعيف الرباطي إلى أن تلك الأسماء تعود إلى حكايات أمازيغية تروي أن أبطالها سحرتهم الجنيات وحولتهم إلى قطط أو حيوانات خرافية تسكن المقابر وتعترض كل من يمر بالقرب من القبور.

ويقول عبدالله الشاهد، وهو مطرب وموسيقي وباحث مغربي في شؤون الفلكلور المغربي، “أعتبر غناوة موسيقى روحية صوفية في غاية العمق والتأثير وربما من ابتدأ بها كان مريدا صوفيا، تغنى من خلالها بحب الله ورسوله واستعملها للحث على الإيمان والتوسل إلى الله أن يلهمه الفرح والخير”.

فنانو غناوة يتميزون برشاقة حركاتهم وملابسهم الملونة

في ما يخص ما ارتبط بهذه الأغاني من تصورات من بينها أنها تردد لاستحضار الجان التي يُتهم بها عازفو هذا اللون الموسيقي، فهي أمر متعلق بمعتقدات المجتمع المغربي، وهي تُهم تلصق عادة من منظور شعبي، بكل من ارتدى زيّ الصوفية ونطق بتمتمات لا تفهم لدى عامة الشعب.

ومن رواد هذا اللون الموسيقي والغنائي، مجيد بقاس، الذي مزج غناوة بالموسيقى الغربية، وكذلك محمود غينيا في مدينة الصويرة. وأحد مؤسسي مجموعة “ناس الغيوان” المعروفة في المغرب عبدالرحمن باكو، وهو فنان مغربي مشهور وقد أدى هذا اللون مع جماعة غناوة بإبداع، وهو من علّم الفنان الغربي جيمي هندركس أن يزاوج بين موسيقى غناوة واللون الغربي في أغنياته، وحميد قصري بمدينة الرباط.

الطالبة أمينة، وهي واحدة من الذين تحلقوا حول العازف في أحد الأزقة، ويبدو أنها لم تعجب بطريقته في كسب رزقه، قالت “العزف والغناء صارا مورد رزق لهؤلاء الناس، وهو لا يحتاج إلى شهادات تعليمية” وأضافت “يكفي أن تحصل على آلة كمبري أو تصنعها بنفسك من جلد الماعز، لكي تتسول بواسطتها في الأسواق وأمام البيوت، وتوهم الناس أنك تعرف مستقبلهم، وهذا بالتأكيد أفضل من البطالة بالنسبة إليهم”.

سيدة متقدمة في العمر ترتدي جلبابا نظرت إلى الشابة مستهجنة ازدراءها من العازف وما يقوله للناس من بشارات وتقلبات في حظوظهم في الأيام القادمة، وتساءلت “مادمت غير مؤمنة بما يقول الغناوي، فعليك أن تهربي لئلا تصيبك لعنة أسياده”.

ويضيف الباحث عبدالله الشاهد حول موسيقى غناوة “يؤكد فن غناوة عمق الهوية المغربية في بعدها الأفريقي بالرغم من أن سياقه التاريخي درامي، حيث يجسد معاناة العبيد القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء. واسم غناوة هو تحريف لكلمة غينيا أو عبيد غينيا كما كانوا يسمون قبل اندماجهم في المجتمع المغربي، مما أعطانا فنا يجسد أسمى معاني ارتباط المغرب بجذوره الأفريقية”.

ويتميز فنانو غناوة برشاقة حركاتهم وملابسهم الملونة، وكنا ونحن صغارا نلتقيهم في شوارع المدينة، ونراهم يخلقون أجواء من المرح وسط الأحياء البسيطة. وكان الناس يغدقون عليهم بما تيسر من نقود وطعام وليس هذا العطاء صدقة، لكنه كان ثمنا للفرح المجاني الذي قدموه لجمهور المتفرجين.

غناوة نوع من فن القرب (بمعنى أنه قريب من المتلقي) لأنه يعكس هموم الناس وآمالهم ويمتزج فيه شعر الحكمة بالحكاية والسرد، ومع الأسف لم ينل هذا الفن نصيبه من الاكتفاء المعرفي والنقدي ليزيل عنه الاعتبارات الدونية والصور النمطية في التعامل مع هذا التراث الفني، إذْ اقترن فن غناوة بطقوس غرائبية وسحرية، أثرت على قيمته الفنية والتاريخية، ولغناوة مهرجان سنوي كبير يقام في مدينة الصويرة المغربية.

12