موسيقي سوري يجمع اللونغا بالجاز في توزيع حديث

كنان أدناوي يصل ثقافتي الشرق والغرب عزفا على آلة العود.
الجمعة 2021/10/15
طموح موسيقي سوري يدق باب العالمية

يتبنى العازف السوري كنان أدناوي مشروعا فنيا يقوم على تقديم آلة العود بشكل فني وعلمي يحاكي لغة العصر. فمن خلال دلالات الموسيقى الشرقية وعمقها وتراثها الغني، وبالتناغم بينها وبين علوم الغرب الموسيقية الحديثة يمكن تقديم موسيقى جديدة تفتح آفاقا واسعة نحو عوالم فنية مختلفة، تحمل الكثير من الإبداع والتوهّج الفني على مستوى العالم. عن هذه التجربة وأحدث ما قدمّه في أوبرا دمشق كانت لـ”العرب” هذه الوقفة مع أدناوي.

دمشق - في خطوة جديدة في مشروعه العزفي على آلة العود، قدّم الفنان السوري كنان أدناوي مؤخرا حفلا موسيقيا بأوبرا دمشق احتفى فيه بآلة العود في ظهور حمل المزيد من التجريب الموسيقي بين الأشكال الموسيقية الشرقية والغربية من خلال مجموعة من الأعمال التي حقّقت طموحات عميقة وقديمة.

وأدناوي من العازفين الذين درسوا آلة العود أكاديميا، فهو خريج المعهد العالي للموسيقى بدمشق، وقبله كان تدرّج في التعلم على آلة العود، حيث علمه شقيقاه، ثم سافر إلى الولايات المتحدة ودرس فيها أحدث أساليب العزف الحديث وامتلك مهارات وأسلوبا خاصا يعتمد لغة أكاديمية رفيعة حقّق من خلالها وجودا متميزا في ساحة الموسيقيين السوريين ورسّخت وجوده كأحد أمهر العازفين على آلة العود وصاحب مشروع فني خاص.

بين العود والجاز

الفنان السوري يستعيد في عزفه على آلة العود مخزون الموسيقى العربية التقليدية، ليُعيد تقديمها بلغة عصرية متطورة

نشأت موسيقى الجاز في الولايات المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عبر مزيج من الموسيقى الأفريقية مع موسيقى السكان الأصليين للولايات المتحدة وموسيقى العنصر الأوروبي.

وحقّقت خلال مسيرة قرن من الزمن الكثير من النجاح على مستوى العالم، الأمر الذي دفع بعض نقاد الموسيقى في العالم لاعتبارها الموسيقى الكلاسيكية الأميركية. وهي  قائمة على السلالم الموسيقية الغربية المختلفة عن سلالم الموسيقى العربية، خاصة في ما يتعلّق بربع الصوت.

ولذلك اتسمت تجربة أدناوي والفرقة المصاحبة له في حفله الأخير بأوبرا دمشق بالكثير من الجرأة فيما قدّموه من حيث إيجادهم تمازجا موسيقيا متناغما رغم وجود خلافات جوهرية بين الموسيقى الشرقية والغربية.

وقدّمت في الحفل موسيقى تقارب روح الموسيقى الشرقية من حيث السلالم وتجاورت في العديد من المقطوعات آلة العود والكلارينيت والبيانو في تناغم نادر.

وكانت البداية مع معزوفة “مدى” ثم “تحية”، وثالث المعزوفات كانت “سماعي” وهي التي حاكت الإيقاع العربي الثقيل، ثم قدّمت معزوفة “رقصة” فمعزوفة “جو” ثم معزوفة حملت اسم مقام موسيقي عربي أصيل هي “بيات”، وبعدها معزوفة “طريق إلى دمشق” ثم “رقص للحب” ثم مقطوعة “بحر” التي حقّقت تفاعلا كبيرا مع الجمهور.

ومعزوفة “بحر” وضعها أدناوي في العام 2004، ليتمّ عزفها في دمشق ضمن مهرجان لموسيقى الجاز، ومن ثم قدّمت في مناسبات عديدة، وهو قدّمها في حفله مجدّدا برفقة تشكيلة من الآلات المختلفة عربية وغربية.

وتحضر في المعزوفة تجليات القدرة التصويرية للموسيقى، سواء في التأليف أو العزف، فأجواء البحر موجودة بتفاصيله الصاخبة حينا والهادئة حينا آخر. وكان صوت آلة العود بيديْ أدناوي متناغما مع العديد من الآلات الشرقية والغربية التي شكّلت معا أمواجا موسيقية مدروسة وموظفة.

وترجمت الفرقة الموسيقية في معزوفة “بحر” حيوية هذا المشروع الفني وأهميته، فالتكنيك القائم على تشاركية الآلات وتناوبها في العزف كان حاضرا، وكذلك السرعات المتفاوتة في العزف بين البطيئة جدا وصولا إلى السريعة جدا، وقبل كل ذلك كان الحرص شديدا من أدناوي وفرقته على تقديم تصوير موسيقي لمعنى البحر وحركة أمواجه الهادئة حينا والصاخبة حينا آخر بشكل جعل الجمهور يقف مصفقا لهذا الأداء الصعب والفريد.

كنان أدناوي: يمكن تحقيق مكانة عالمية للموسيقى العربية لو تم تقديمها بشكل علمي
كنان أدناوي: يمكن تحقيق مكانة عالمية للموسيقى العربية لو تم تقديمها بشكل علمي

وفي مزدوجة موسيقية جمعت الموسيقى العربية الأصيلة إلى جانب الموسيقى الغربية، قدّم معزوفة “لونغا رياض” للموسيقار المصري رياض السنباطي والتي تعدّ من أشهر وأصعب المعزوفات الآلية التي قدّمتها الموسيقى العربية عموما.

واللونغا قالب موسيقي عربي يتميّز بالسرعة والحيوية ويحتاج في عزفه إلى قدر كبير من المهارة. وتعتبر المعزوفة من الآثار القليلة التي خلفها الموسيقار السنباطي في مجال الموسيقى الآلية، حيث كرّس معظم إنتاجه الإبداعي لوضع تآليف موسيقية في الغناء العربي التي قامت بأدائها المطربة أم كلثوم.

وعلى الطرف الآخر قدّم أدناوي للمؤلف الموسيقي الأميركي الشهير دوك إلنغتون معزوفة “وردة أفريقية” التي وضعها في موسيقى الجاز، ويعتبر إلينغتون أهم مؤلف وقائد فرقة جاز في العالم كونه حقّق مع موسيقى الجاز حضورا كبيرا على مستوى العالم. فوضع في حياته الفنية الآلاف من المعزوفات التي صار بعضها أعمالا موسيقية عالمية، كما قدّم مسرحيات غنائية وعددا من الأفلام.

ومن أهم ما تفرّد به توجّهه نحو رفع مستوى موسيقى الجاز إلى مرتبة الموسيقى الكلاسيكية عن طريق قيادته لفرقة “بيغ باند جاز”، وحاز على جائزة البوليتزر عن موسيقاه التي ألفها لاحقا. وكان تكنيك العزف كبيرا في المعزوفتين، كونهما تقدّمان مقطوعتين مختلفتين من حيث المقام والنوتة، فبدا أن الفرقة احتاجت إلى الكثير من التنسيق والتدريب حتى وصلت لتلك النتيجة التي حقّقت نجاحا مدوّيا في القاعة.

وكان باديا أن أدناوي اعتمد سواء في المقطوعات التي كانت من تأليفه أو التي كانت من تأليف غيره على تكنيك عال جعل الجمهور يتفاعل معه ويصفّق له طويلا في العديد من المقاطع.

رهان ناجح

تجربة موسيقية تحقق فكرة تلاقي الحضارات
تجربة موسيقية تحقق فكرة تلاقي الحضارات

يرى أدناوي أن آلة العود تمتلك الكثير من الإمكانات التي يمكن استثمارها بشكل موظف في الموسيقى الشرقية والغربية على حد السواء، خاصة مع وجود عازفين أكاديميين يمتلكون مهارات عزف استثنائية، وكذلك من خلال إيجاد تشكيلات موسيقية متنوّعة للآلات الموسيقية. كما كان في حفله الأخير، حيث وجد العود برفقة تشكيلة متنوّعة من الآلات الموسيقية ضمت رباعيا وتريا وإيقاعا وكونترباص وبيانو وكلارينيت وفلوت وباصون وأوبوا.

وفي حفل سابق قدّم أدناوي تجارب موسيقية مع تشكيل موسيقي أصغر حجما، ضم آلتي التشيللو والقانون ومغنية، حيث غابت الآلات الإيقاعية حينها، ليعتمد الفنان وفرقته على الإيقاع الخاص الذي توفّره الآلات الموسيقية ذاتها، فقدّم مجموعة من المقطوعات المتنوعّة على غرار “تقاسيم” و”رقصة” و”سماعي” وغيرها.

كما قدّم في حفل لاحق تشكيلا موسيقيا آخر منفّذا لتجارب موسيقية مختلفة، وهو النهج الذي يسير عليه في تقديم موسيقى عربية أصيلة بلبوس عالمي عصري، فصاحب مجموعة “جو” يرى أن الموسيقى العربية يمكنها أن تمتلك حضورا كبيرا على مستوى العالم، فيما لو تمت الاستفادة من المخزون الكبير والعميق الذي تمتلكه في التآليف والعزف. ومن ثم يمكنها مراعاة لغة العصر عبر دمجها بالأسلوب الغربي الحديث القائم على استثمار العلوم والمهارات العالية في العزف.

ويضيف “بهذه الأسلوبية سيتمّ تقديم موسيقى عربية ببعد عالمي، يجذب الأنظار إليها كموسيقى عميقة ومعاصرة تحتفي بالأصيل والحديث معا”. وترجمة لهذا التوجّه يقوم أدناوي بتقديم موسيقاه بالاعتماد على مخزون الموسيقى العربية التقليدية كالموشح واللونغا والبشرف والسماعي، ليُعيد تقديمها بلغة عصرية تحاكي موسيقى اليوم ممّا يمكن معه خلق حالة من التفاعل بينها وبين الجمهور الشاب بما يحفظ وجودها لديه كموسيقى تراثية ومتطوّرة معا.

وحقّق أدناوي من خلال مسيرته الفنية الخاصة على آلة العود العديد من الظهورات المحلية والعالمية الناجحة، فقد شارك عام 2009 في بيروت بمسابقة دولية في العزف على العود ونال فيها الجائزة الأولى، كما حاز على الجائزة الثانية في مسابقة لاحقة كانت في تونس، وقدّم حفلات موسيقية مشاركا للعديد من الفرق الموسيقية السيمفونية في العالم العربي.

15