موسيقي فرنسي يتلاشى داخل جسده الأثيري

لطالما كانت كتابة السير محفوفة بالمخاطر، بوصفها سعيا إلى توثيق حياة شخص ما، وتحويله من كائن بلحم ودم إلى كائن من ورق، وبمجرد البدء في عملية التدوين، يتحول الشخص من كيان مادي ملموس، إلى كيان من لغة قد يتدخل فيها الخيال، ومع مرور الزمن على التدوين، تتضاءل القيمة الوثائقية على حساب المتخيّل الذي تختزنه اللغة، فيفقد المؤلف حياده الذاتي تجاه الشخص، ويدخل في لعبة السرد وتقنياتها بحكم فعل التدوين ذاته.
السبت 2016/10/22
موسيقي خذله جسده وأنصفه الفن

رواية “رافيل” للكاتب الفرنسي جان إشنوز، هي واحدة من ثلاث روايات ترجمها مشروع كلمة للكاتب ذاته، الحائز على جائزة الغونكور عام 1999، وفي “رافيل” يدوّن الكاتب سيرة متخيلة للمؤلف الموسيقي الفرنسي موريس رافيل (1875-1937)، حيث تتداخل فيها الأحداث الواقعية، مع التفاصيل المتخيلة التي وضعها الكاتب لتدوين سيرة رافيل، لنتلمس حالته النفسية والمرضية، إلى جانب حساسيته الشخصية تجاه الموسيقى وصناعتها، فنحن لا نقرأ سيرة محايدة تدوّن تاريخ الفرد الشخصي، بل عالما سرديا متكاملا يتيح لنا رؤية الإنسان الفرد وعوالمه اليوميّة وعاداته التي تغفلها أحيانا كتب السيرة أو تحوّلها إلى فنتازيا أسطوريّة.

رواية جغرافية

تتناول الرواية، الصادرة هذا العام عن مشروع كلمة للترجمة، ترجمة وليد سويركي، السنوات العشر الأخيرة من حياة رافيل، والتي شهد فيها أوج شهرته العالمية، وتزامنت مع بداية مرضه العصبي العصيّ على العلاج، إذ نقرأ التناقضات التي يمر بها رافيل نفسه، من حياته وحيدا في منزله معانيا الأرق المزمن، إلى رحلاته المختلفة إلى أميركا ومدنها لتقديم أعماله المختلفة والاحتفاء الجماهيري الذي يناله.

كما تقدم الرواية شذرات من ماضيه وإصراره على المشاركة في الحرب ورفضه المتكرر من قبل القوات العسكريّة، ثم تعيينه كسائق سيارة في باريس، لتكون الرواية حسب تعبير أشنوز نفسه “رواية جغرافية”، حيث نقرأ معالم المدن الفرنسية والأميركية، والرحلات التي يقوم بها في القطارات والبواخر، فالمتخيّل الذي يبنيه إشنوز يرسم العلاقة بين رافيل الموسيقي وتلك الأماكن، حركته ضمن الفضاءات المختلفة، التي يختلف إيقاعها ضمنها كاختلاف موسيقاه ذاتها، فهو دائم التنقل، وكثير الحيوية أثناء رحلاته، في حين نراه في منزله وحيدا أرقا، يستجدي النعاس، الذي يفرّ منه دوما.

يلجأ إشنوز في الكتابة إلى الأسلوب “التصغيري”، جمل قصيرة قد تتألف من كلمة فقط، يتداخل فيها الحوار مع الحكاية، وكأننا أمام إيقاع موسيقي، ويعود هذا إلى علاقة إشنوز نفسه بالموسيقى، فمن جملة إلى أخرى ينقلنا بين عوالم الداخل الخاصة بالفنان والخارج اللامتناهي، إذ نقرأ في البداية معاناة رافيل عند الخروج من حوض الاستحمام، فتأسرنا الدقة في بناء المشهد الروائي ونحن نتابع نبضه ودقة حركاته، إلى جانب تأففه الشخصي من تعديلات أصابت مقطوعاته، التي تشابه سرعة إيقاعها نبرة تأففه ونزقه.

السنوات العشر الأخيرة من حياة موريس رافيل شهد فيها أوج شهرته العالمية وتزامنت مع بداية مرضه العصبي

رافيل في الرواية يسقط داخل ذاته، وكأن عقله فقد القدرة على التحكم في جسده، فهو ينسى اسمه، وتوقيعه، والموسيقى التي ألفها، يخذله جسده، في حين يتقوقع عقله في أقصى زاوية من جمجمته، رافيل يغوص في مأساة ذاته، واعيا لما يحصل معه، يتأمل جسده يتداعى عاجزا عن كلّ شيء حتى عن النوم، ويتلاشى رافيل كنهاية مقطوعة موسيقيّة تنخفض تدريجيا حتى الاختفاء، وحادث السيارة الذي تعرّض له نقرأ تفاصيله المتخيلة، بحياد تامّ؛ جمل قصيرة نراها تقتنص لحظة الاصطدام.

رافيل جسد فقط، تحطم قفصه الصدري، وجروح وجهه كأنها لا تنتمي إليه، حيادية السرد في هذا الموقف، تتركنا معلقين كرافيل، القطارات والسفن كلها لم تمسسه إلا أن انتقالا بسيطا في باريس ونتيجة لصدفة عبثية، انتهى إثرها في المشفى.

لم تكن الجغرافيا سبب نهايته، بل اختلاف بسيط في التنسيق، حادث عبثي سينتهي إثره رافيل دون ذاكرة، مستلقيا تحت مبضع جراح يفتح جمجمته علّه يجد العلّة، بعد عشرة أيام من العمل الجراحي، مات رافيل ناسيا كل شيء، فقط جثة أنيقة، كما كان في حياته ينسلّ نحيلا أنيقا بين أصوات التصفيق ونظرات الإعجاب، يستقبل نهايته بالألق ذاته، هو فقط مات، وسيسجى في قبره مرتديا بزّته مشدودة الحواف والأطراف.

ضياع الذاكرة

ينسى رافيل ما هو له، موسيقاه لم تعد تنتمي إليه، لم يعد يميزها، وهنا تكمن المأساة التي يرسم إشنوز تفاصيلها، فرافيل مدرك تماما لحالته، وكيف ينهار تدريجيا، يفقد اسمه، ويغدو كشبح يطفو بين تفاصيله الشخصية التي أضحت غريبة عليه، الحكايات التي يسوقها إشنوز أحيانا يدعونا إلى عدم تصديقها، تاركا لنا حرية الحكم على ما هو متخيل وما هو حقيقي، لكنه يصرح أن الكلمات والجمل على لسان رافيل كلها حقيقية، فقد تعمّد أن لا يضيف شيئا على لسانه، بل قام بجمع ما سُمع عنه وما قاله وجعله يتخلل الرواية كجزء عضويّ منها.

يعتمد إشنوز في عمله المتخيل على استحضار الشخصيات المشهورة، وبناء علاقات متخيلة بينها وبين بطله، لنقرأ أسماء الموسيقيين والكتّاب والفنانين الذين التقى بهم رافيل، هذه الأحداث والعوالم الواقعية التي يستند إليها تكسب المتخيّل الذي يبنيه تماسكا منطقيا، إذ نقرأ حكايات بين رافيل والسوريالين كدوشامب وبريتون، كذلك نرصد تلصصه على عازفي الجاز المغمورين في الحفلات المختلفة، هذه المرجعيات الواقعيّة تمكننا من تتبع حياة رافيل في الأماكن التي زارها، واستعادة الأجواء التي شهدها، وتقصّي خصوصيتها التي لعبت دورا في تكوين موسيقاه.

16