موشي يعلون وظاهر السياسة الإسرائيلية وباطنها

السبت 2015/11/07
وزير دفاع إسرائيلي يرى الشرق المفضل دويلات طائفية متصارعة

عمان - “ما هي سياستنا في سوريا؟ نقول: نحن لا نتدخل. لدينا رأي فيما يتعلق بما نودّ أن يحدث هناك. لكن لأسباب ذات حساسية، لسنا في موقف، ولا وضع يسمح أن نقول إننا نؤيد الأسد أو أننا ضد الأسد”. بكل هذا الوضوح تحدث موشي يعلون السياسي الإسرائيلي والعسكري السابق، الذي تقلد العديد من المناصب الرفيعة في الجيش الإسرائيلي، فتدرج حتى عُيّن رئيسا لأركان جيش الدفاع الإسرائيلي في يوليو 2002، وشغل هذا المنصب لثلاث سنوات.

ليس مفاجئاً أن يتحدث يعلون الرجل الذي أنهى فترة رئاسته للأركان في الأول من يونيو 2005، ثم اتجه بعد تقاعده كما هي عادة كثير من القادة العسكريين في إسرائيل إلى عالم السياسة، ودخلها من جهة اليمين، وبات من أبرز زعماء حزب الليكود اليميني؛ ليصبح وزيرا للدفاع في حكومة بنيامين نتنياهو اعتبارا من عام 2013.

طريق طويل قصير

لم يخف يعلون يوما مواقفه السياسية التي تبدو متمايزة عن نظرائه في إسرائيل. ففي كتابه “طريق طويل قصير” انتقد اتفاقيات أوسلو، فهو يثق بالأنظمة العربية، لكنه “لا يثق بالفلسطينيين سواء في عهد ياسر عرفات أو عهد أبي مازن”.

تربطه علاقات طيبة مع تشاك هيغل وزير الدفاع الأميركي السابق، وعلاقته بالوزير الحالي آشتون كارتر مميزة، لكن هذا لا ينطبق على علاقته بالخارجية الأميركية والبيت الأبيض، فقد تم تقديم شكوى بحقه إلى الحكومة الإسرائيلية بسبب انتقادات وجهها للسياسة الأميركية.

لا يمانع وزير الدفاع الإسرائيلي من أن تحصل مصر على أسلحة من روسيا، فهو يعتقد أن سيناء تشكل تهديدا لأمن إسرائيل وأن الرئيس المصري جاد بمحاربة الإرهاب في سيناء، وبذلك يختلف عمّن سبقوه، سواء قبل الثورة أو بعدها.

يعلون لا تعوزه الجرأة، فهو لا يتوانى عن إعلان مواقفه المعارضة للسياسة الأميركية، فقال في مقابلة مع البي بي سي في مطلع العام 2015: اختلفنا مع الأميركان بشأن ما حدث في مصر وتعاملها مع الإخوان، وقبلها بالسماح لحماس بالمشاركة في الانتخابات، وكانت دائما هناك خلافات في إدارة الملف السوري، ولدينا خلاف كبير معهم الآن حول الاتفاق النهائي مع إيران.

جدليات الموقف الإسرائيلي

كعادته، يطلق العنان لتصريحاته الجدلية، فقد تحدث الوزير عن موقف إسرائيل حيال الأحداث في سوريا، لكنّه لم يكشف عما إذا كان هناك انحياز إسرائيلي لأيّ من أطراف الأزمة، وعن محادثات فيينا الساعية لإيجاد حل في سوريا، قال يعلون “الروس يؤيدون الأسد والأميركيون ضده والأتراك ضده والسعوديون ضده والإيرانيون يؤيدونه”، وتابع يعلون “لسنا على هذا المستوى، نحن نتعامل مع مصالحنا الخاصة”، مُجدِداً تأكيده على “الخطوط الحمراء”. وكان عدد من المسؤولين أشاروا في وقت سابق إلى أنه على رأس تلك “الخطوط الحمراء” أن تُمسّ إسرائيل عن طريق سوريا.

وقال يعلون أيضا في تصريحات سابقة لوسائل إعلامية “إن إسرائيل لم تسلّح أيّ طرف في الحرب الأهلية، وإنها قدمت مساعدات إنسانية محدودة لقرى في مرتفعات الجولان السورية قرب الأجزاء التي تسيطر عليها في هذه المنطقة الاستراتيجية”.

هو كغيره من المسؤولين الإسرائيليين الذين طالما تغنّوا بإسرائيل كواحة للديمقراطية في الشرق الأوسط، وعابوا على الدول المحيطة تخلّف شعوبها واستبداد أنظمتها، لكن ما إن بدأت الثورات العربية على أنظمة الحكم “المعتدلة” بنظر إسرائيل، حتى أبدت الأخيرة تعاطفها مع تلك الأنظمة بهدف بقائها، وليس أدلّ على ذلك من تأييدها نظامي محمد حسني مبارك في مصر، وزين العابدين بن علي في تونس.

أما في سوريا، فالموقف يبدو مختلفا تماما، حيال “الثورة”، فقد راحت إسرائيل تعلن تأييدها لسقوط النظام بإصدار تصريحات ضده، مستغلة الظروف المحيطة؛ لتبرير ممارساتها القمعية ضد الشعب الفلسطيني.

وقف العالم على رؤوس أصابعه لمراقبة البوارج الأميركية المتجهة نحو سوريا لضرب النظام، فسارعت إسرائيل بأن مررت لروسيا مقترح إلغاء الضربة مقابل تسليم الأسد سلاحه الكيميائي

تفاهم شارون – الأسد

لم تترك إسرائيل عنفا وجّهه الأسد إلى شعبه إلا وأدانته، ومجزرة الحولة شاهد على ذلك، فراحت في الإطار التبريري ذاته تتباكى على ضحايا قمع الجيش السوري لشعبه، ومقارنته بالجيش الإسرائيلي “الإنساني”، ليبقى الموقف الإسرائيلي يراوح في هذا المدى خلال السنة الأولى للثورة السورية، فكان المهم بالنسبة إلى تل أبيب -في تلك المرحلة- إضعاف الدولة السورية، المتحالفة مع “العدو” إيران، والتي تشكل حلقة الوصل بينها وبين حزب الله اللبناني، وبعض التنظيمات الفلسطينية الخارجة على الاتجاه الفلسطيني المنخرط في العملية السلمية.

لم يشفع للنظام السوري الاستقرار والتوازن الذي ترسّخت قواعده على الحدود مع فلسطين، منذ توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار عام 1974، وحالة التوازن داخل لبنان التي دُشّنت في اللقاء الذي تم في جنيف، وفيه اجتمع وزير الدفاع الإسرائيليّ أريئيل شارون ومساعده إبراهام تمير في يناير من عام 1981، مع رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، والرجل الثاني في النظام السوري آنذاك.

خلال ذلك الاجتماع، الذي نشرت تفاصيله الدقيقة في كتاب يوسي ملمان ودان رفيف، “جواسيس غير كاملين” أو كما في العبرية (مرجليم لو موشلميم)، والصادر في تل أبيب عن مكتبة معاريف 1990، رتّبت إسرائيل قواعد الاشتباك مع السوريين، بل وتم الاتفاق على الترتيبات اللازمة لشنّ الحرب الإسرائيلية ضدّ قوّات منظّمة التّحرير الفلسطينيّة في لبنان وحلفائها من القوى الوطنيّة اللبنانيّة، وترجم الاتفاق على الأرض بالاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

أكّد شارون في الاجتماع ذاته المصالح المشتركة بين إسرائيل والنظام السوريّ، وفي مقدّمتها إضعاف منظّمة التّحرير الفلسطينيّة وتقاسم مناطق النّفوذ في لبنان فيما بينهما، وحرص على إبلاغ رفعت الأسد أنّ أهداف إسرائيل من الحرب التي ستشنّها على القوّات الفلسطينيّة التابعة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة في لبنان محدودةٌ، ومقتصرة فقط على ضربها، وأنّ إسرائيل تعترف بالمصالح السوريّة في لبنان.

منذ ذلك الوقت، استخدم النظام السوري مهاراته البراغماتية في التفاهم السري مع إسرائيل، ولم يطلق رصاصة واحدة طوال أكثر من أربعين عاما رغم احتلال إسرائيل الجولان وقصفها موقع البوكمال واغتيالها مساعد رئيس النظام السوريّ بشار الأسد العميد محمّد سليمان في طرطوس عام 2008، واغتيالها أيضًا -في العام ذاته- القائد البارز في حزب الله عماد مغنية في دمشق.

كانت قواعد الاشتباك في حينه ما زالت على حالها، واستمر النظام السوري في سياسته البراغماتية التي تكتفي بالتلويح بحق الرد في “الزمان والمكان المناسبين”.

استمر الأمر على حاله، بل وحتى عندما قطعت الثورة السورية عامين من عمرها، واصلت إسرائيل رؤيتها -وربما عملها بالخفاء- أن يستمر النزاع حتى إضعاف الدولة السورية، وإنهاك التحالف المزعج الممتد من طهران إلى الضاحية الجنوبية في بيروت.

غير أن ظهور فصائل مسلحة على امتداد الأراضي السورية، جعل إسرائيل تشعر بالقلق، لكنها واصلت سياسة “عدم الظهور” كطرف حتى ولو إعلاميا.

ما الذي يقلق إسرائيل

ما يقلق إسرائيل أكثر من الحرب الطاحنة قربها، هو أن تأخذ التطورات منحى الحوار السوري الذي ينتج دولة ديمقراطية قوية، لذلك صار الموقف الإسرائيلي مع إطالة النزاعات الداخلية السورية، ومن هنا غضّت الطرف عن أرتال حزب الله الراحلة شرقا وشمالا، ولم تبدِ أيّ تحرك ضدها.

ما كان خطا أحمر بالنسبة إلى إسرائيل، هو أن تكون الأرتال العسكرية متجهة من سوريا إلى لبنان. إذ كانت المعاملة معها عن طريق المعالجة بالقطعة، حيث كانت تقصف جويا أيّ محاولة لنقل الأسلحة نحو لبنان.

إسرائيل تقترح نزع الأسلحة الكيميائية

عندما وقف العالم على رؤوس أصابعه لمراقبة البوارج الأميركية المتجهة نحو سوريا لضرب النظام، سارعت إسرائيل لاستغلال الموقف بأن مرّرت إلى روسيا مقترح إلغاء الضربة مقابل تسليم الأسد سلاحه الكيميائي.

شطر سوريا إلى أجزاء يمر عبر تشكيل أول دويلة في الساحل السوري

هنا حدثت الانعطافة الحادة في الموقف الإسرائيلي من الأحداث في سوريا، ذلك أن حساباتها لم تكن لتكتمل بانهيار النظام، ثم وراثة المعارضة للأسلحة الكيميائية. ومع الارتباك والموقف الضعيف الذي أبدته موسكو حيال توجه واشنطن لضرب دمشق تقدمت تل أبيب بمقترح يطفئ فتيل الأزمة.

حينها، صرح المسؤولون في موسكو أن روسيا لن تخوض الحرب من أجل النظام السوري في حال قرّرت الولايات المتحدة ضربه، فسارعت إسرائيل بمقترح أنقذ روسيا، وكفت به أميركا شرّ القتال، عبر سحب التهديد الكيميائي السوري، وهكذا تحقق لإسرائيل إصابة العديد من العصافير بحجر واحد، بعدها سارت عملية إتلاف تلك الأسلحة الكيميائية كما تشتهي تل أبيب.

مع كل ما سبق استمر الموقف الإسرائيلي متسربلا بالغموض -مرة ضد قوى الثورة وأخرى ضد النظام- لكن المؤكد هو أن إسرائيل ضد النظام والمعارضة والدولة السورية القوية.

ظهور المقاتلات الروسية

جاء التدخل الروسي في سوريا ليشكل التساؤل الأهم؛ فإلى أي مدى تتوافق المصالح الروسية والإسرائيلية في تلك المنطقة؟ الإجابة على هذا التساؤل تمثل جوهر التعاون الروسي الإسرائيلي في المستقبل، خاصة بعد الإعلان عن التنسيق الروسي الإسرائيلي ومظاهر الرضا الإسرائيلي عن التدخل الروسي الإيراني، لدعم نظام “بشار الأسد”، باستمرار سيطرته على المناطق الساحلية، على طريق تشكيل دويلة علوية.

إن تعاظم دور روسيا في استهداف التنظيمات والتشكيلات المسلحة، التي باتت تُحكم السيطرة على كثير من المناطق في سوريا، يمثّل من وجهة نظر إسرائيل خطوة مهمة نحو بدايات تقسيم الدولة السورية إلى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية.

هذا تماما ما تكشف عنه وسائل الإعلام العبرية باستمرار. فصحيفة هآرتس قالت بوضوح إن تل أبيب لم تُغيّر موقفها بشأن الساحة السورية، وهي ما تزال معنية باستمرار القتال مع بقاء النظام ضعيفًا، ولا يسيطر إلّا على مساحة جغرافية صغيرة من سوريا، بما بات يعرف بـ “سوريا الصغرى”.

وهذا يعني أن شطر سوريا إلى أجزاء يمر عبر تشكيل أول دويلة في الساحل السوري، وهو ما يصبّ مباشرة في المصلحة الإسرائيلية التي ترى في هذا التقسيم بداية حقيقية لإخراج سوريا من قائمة القوى الإقليمية.

غموض تصريحات يعلون لا تعني حياد الموقف الإسرائيلي، وإن أرادت القول دائما بأنها على الحياد بين فرقاء الصراع في سوريا. هي بالتأكيد لا تعني الحياد الإيجابي، بل هو انتظار حتى يتعب جميع الأطراف ويطالهم الإنهاك، فرغم توافق جميع الأطراف في فيينا على وحدة الدولة السورية ما زال هناك من يتصور الآن في إسرائيل أنه ليس هناك أفضل من أن تحيط بك دويلات طائفية منهكة تشغلها خلافاتها.

12