موصليون يسرقون فرحهم من الدواعش

الفرح وبهجة الحياة لم يتوقفا في الموصل زمن سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة، فالموصليون واصلوا أعراسهم ومتابعتهم للتلفزيون والاتصال بذويهم عبر الهواتف النقالة بشكل سري، لقد حرصوا على أن تستمر الحياة رغم أعدائها الذين سعوا إلى تنغيصها على الرجال والنساء والأطفال.
الاثنين 2016/12/05
الموصليون انتصروا للحياة

حسن شام (العراق)- أعراس وأغان خلف أبواب موصدة، وهواتف نقالة مدفونة في أكياس الطحين والأرز، وإرسال تلفزيوني ليلا… ولدى العراقيين الذين عاشوا تحت حكم تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الموصل قصص كثيرة عن “تمرد” غير معلن داخل بيوتهم بعيدا عن أعين الجهاديين وبطشهم.

فضل أغلب الذين قدموا شهاداتهم استخدام أسماء مستعارة، رافضين الظهور أمام الكاميرا خوفا على أقارب لهم لا يزالون يعانون في مناطق سيطرة التنظيم الجهادي. يروي علي (24 عاما) وشيماء (20 عاما) أنهما تزوجا قبل أربعة أشهر في الموصل، ونزحا في بداية نوفمبر إلى مخيم حسن شام شرق الموصل.

أعراس وأغان خلف الأبواب الموصدة

وتقول شيماء “ارتديت يومها فستانا أبيض، صففت شعري وتزينت بالماكياج، لكني وضعت الخمار الأسود وعباءة سوداء طويلة خلال انتقالي من منزلنا وصولا إلى بيت علي”. ويروي علي بدوره كيف احتفل مع أهله بالعرس، “في منزل أهلي أغلقنا الأبواب وأدرنا مولد الكهرباء ليطغى صوته على صوت الأغاني في الداخل”.

ويضيف ضاحكا “كانت هناك أغان وموسيقى بصوت منخفض داخل البيت حيث احتفلت النساء وأنا معهم، فيما انتظر الرجال بالخارج”. ويحظر تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق سيطرته الأغاني والموسيقى. ويمنع النساء من كشف وجوههن، ويفرض عليهن ارتداء النقاب، كما يفرض على الرجال إطلاق لحاهم، كذلك يمنع التدخين وكل أنواع التسلية.

ويقول علي “الفرح لم يكن جميلا بالقدر الذي رسمته في مخيلتي”، مضيفا “أردت أن ألبس بدلة وأرتب ذقني، وأن يحتفل معي أقربائي كلهم، وأتجول في موكب كبير من السيارات في كل المدينة”. وترد شيماء التي ارتدت عباءة بنفسجية وجلست بالقرب من زوجها وقد احمرت وجنتاها خجلا “لم يطل الحفل كثيرا. أردنا ان نتجول في المدينة لكن خفنا ان يعاقبونا”.

حين نزحا من منزلهما في الموصل، أبى علي وشيماء الخروج من دون أن يأخذا الصورة الوحيدة من حفل زفافهما السري. يحمل علي بيده الصورة التي يظهر فيها مع عروسه بفستانها الأبيض وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة كبيرة، بينما وضعت هي يديها على وجهه، ويقول “ممنوع طباعة صورة مثل هذه” في الموصل.

ويتابع “لديّ محل لطباعة ونسخ الأوراق، أغلقت أبوابه وأنزلت الستار الحديدي وطبعت هذه الصورة فقط سرّا”. ويجلس علي وشيماء بين جيرانهما وأصدقائهما في مخيم حسن شام على مرتبات وضعت فوق بعضها أمام خيمة الجيران وهما، يضحكان ويمزحان، وهو أمر لم يكونا يتجاسران على القيام به في الموصل.

تروي سميحة (23 عاما) أنها زغردت سرا في احتفال جارها علي. لكن لم يكن ذلك الأمر الوحيد الذي قامت به بالسر خلال عامين ونصف العام تحت حكم التنظيم المتطرف. وتقول “كنا نضع السماعات لنسمع الأغاني التي حفظناها في هواتفنا النقالة”. ومنع تنظيم الدولة الإسلامية استخدام الهواتف النقالة، وكان العقاب عسيرا على كل من يجده الجهاديون حاملا معه بطاقة هاتف. وتتابع سميحة “كنا إذا أردنا الاتصال بأحد من أقربائنا في الخارج، نتحادث معه للحظات: كيف الحال؟ بخير؟ مع السلامة”.

هواتف نقالة مدفونة في أكياس الطحين والأرز

وتقاطعها جارتها زينب، النازحة أيضا من حي السماح في الموصل قبل حوالي شهر “كان أحد الرجال يقف خارج المنزل ليتأكد من عدم وجود أحد أثناء استخدام الهاتف”. وأضافت سميحة أنها اعتادت أن تخبئ البطاقة التي تحفظ عليها الأغاني في مكان آمن “في اللوح الخشبي الذي نعلق عليه الستائر”. وابتكر آخرون مخابئ سرية أخرى لهواتفهم النقالة.

في مخيم الخازر شرق الموصل، تقول عالية (40 عاما) “بمجرد ان يدق علينا الباب نخبئ التلفون، حتى أنني في إحدى المرات وضعت بطاقة الهاتف في القطن لأخفيها عن الأنظار، وأعرف أن آخرين كانوا يضعونها في أكياس الطحين والأرز”. وتحدث البعض عن دفن هواتفهم النقالة في الحدائق، وقال أحدهم إنه كان يلف هاتفه بكيس بلاستيكي قبل أن يضعه في حفرة الصرف الصحي في المرحاض.

حين أتى الجهاديون إلى بيته لمطالبته بتسليمهم أطباق استقبال الإرسال التلفزيوني، سلمهم عدنان (46 عاما) طبقا واحدا من أصل ثلاثة يملكها. ويروي عدنان النازح حاليا إلى مخيم حسن شام “مساء كل يوم، كنت أصعد إلى السطح أركب طبق الإرسال وأضع عليه غطاء حتى لا يراه أحد، وأعود إلى المنزل لأشاهد التلفزيون”. ويضيف “كنت أشغله ثلاث ساعات يوميا خلال الليل بدءا من الثامنة أو التاسعة، وقبل موعد النوم أصعد مجددا وأنزله”.

وعدنان حالفه الحظ إذ لم يقتحم الجهاديون منزله، ويقول “التزمت بكل ما طلبوه، ربيت ذقني وكنت أرتدي سراويل قصيرة ولم أتدخل لدى أيّ أحد”. في مخيم الخازر، تشير حلا (35 عاما) إلى دمية “باربي” التي اشترتها لابنتها بعدما كانت ممنوعة لدى الجهاديين. ثم تبتسم قائلة “لم يكن بإمكاننا شراء الدمية، وكنت أدخن في السر وكنا نلعب الدومينو سرّا، ونستخدم الهاتف الخلوي داخل المنازل في السر. أما إذا وجدوا بطاقة هاتف فإلى الذبح، لقد كنت أخفيها دائما في صدري، ما عساني أفعل غير ذلك؟”.

20