موضة الـ"ق ق ج"

الثلاثاء 2015/01/06

القصة القصيرة جدا، التي يشار إليها في الغالب بأحرفها الأولى “ق ق ج” جنس اختلف النقاد والدارسون في أصله وتسميته، وفي دوافع نشأته ومستقبله.

فأما الأصل؛ فبعضهم يردّه إلى ثلاثينات القرن الماضي مع نتالي ساروت في فرنسا، وبعضهم ينسبه إلى العراق مع محاولات المحامي يوئيل رسام، وإلى بلاد الشام مع جبران وتوفيق يوسف عواد وزكريا تامر، فيما يرى فريق ثالث أنه يستمدّ جذوره من التراث العربي القديم في أخباره ونوادره وطرفه وشذراته، وحتى من الهايكو الياباني.

وأما التسمية فقد ظلت تتأرجح بين الخاطرة، والقصة الومضة، والومضة القصصية، والقصة البرقية، وحتى القصة القصيدة، ولو أن مصطلح القصة القصيرة جدا ” ق ق ج” هو الأكثر شيوعا في الأعوام الأخيرة.

وأما الدوافع فيعزوها دعاة هذا اللون إلى البحث عن صيغ جديدة تتلاءم وتجليات العولمة وإيقاع العصر المتسارع، فالقارئ في نظرهم ما عاد يجد فسحة من الوقت لقراءة أعمال ضخمة. وهذا من أعجب ما تفتقت عنه أذهان منظري هذا الجنس، في مجتمعات لا تبتكر، ولا تقرأ أصلا، ويزجي أهلها أوقاتهم في ثرثرة المقاهي، أو مشاهدة المسلسلات المكسيكية والتركية، لأن المؤلفات التي تصدر في البلدان ذات الإيقاع المذهل -في أوروبا وأميركا وجنوب شرقي آسيا- لا يحول سمكها البالغ الضخامة أحيانا من إقبال القراء عليها بشغف. لا تستثنى من ذلك حتى الكتب التي تتوجه إلى اليافعين والمراهقين.

هذا الجنس أغرى خلقا غير قليل، ذكورا وإناثا، شبّانا وكهولا حتى تحوّل إلى موضة. والحق أن منهم من يكتب عن وعي وبحرفية عالية، حتى أن أحد الأساتذة الجامعيين في كلية الآداب بمدينة سوسة التونسية حدثني عن برمجة نماذج منها بداية من السنة الجامعية المقبلة. ومنهم من وجد في هذا الجنس أقصر السبل للتعريف بنفسه، تماما كأولئك الذين استسهلوا قصيدة النثر وما لهم في قرض الشعر ثاغية ولا راغية كما تقول العرب.

والنتيجة أن سيولا من تلك الكتابات التي تغرقنا بها الصحف والمواقع الاجتماعية في الفيسبوك والمدونات الخاصة أو العامة لا يتوافر فيها الحد الأدبي الأدنى، إذ أصبحت لدى كثير من هواتها أشبه بحذلقة لغوية. من ذلك مثلا ما رواه لي الأديب كمال العيادي صاحب موقع دروب، فقد ذكر أن أحدهم بعث إليه مرة برسالة إلكترونية يقول فيها : يشرفني أن أعرف رأيك في قصتي. ردّ عليه العيادي: أرسلها وبعدئذ لنا رأي. فأردف الآخر: هي ذي بين يديك.


كاتب من تونس مقيم بباريس

15